هل تشكل منحة حاملي الشهادات العليا مدخلا حقيقيا لمعالجة بطالة الشباب بالمغرب؟(حوار)

فاطمة الزهراء أيت ناصر
تعد بطالة الشباب الحاصلين على الشهادات العليا واحدة من أعقد الإشكالات الاجتماعية التي تواجه المغرب في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل ارتفاع نسب البطالة وتقلص فرص الإدماج في سوق الشغل، مقابل ترسيم المباريات كآلية شبه وحيدة للولوج إلى الوظيفة العمومية.
واقع يضع آلاف الخريجين في وضعية انتظار طويلة ومكلفة، حيث يطلب منهم التنقل بين المدن لاجتياز المباريات، وتحمل أعباء الإقامة والتغذية واللوجستيك، دون أي مواكبة أو دعم يخفف عنهم عبء البطالة المؤقتة.
وفي ظل هذا السياق، يبرز النقاش حول دور الدولة في مواكبة الشباب خلال مرحلة البحث عن الشغل، خاصة وأن الأسر المغربية والدولة معا تستثمران لسنوات في تكوين هؤلاء الشباب، قبل أن يجدوا أنفسهم في مواجهة فراغ مهني واجتماعي قد يقود إلى الإحباط، أو الهجرة، أو الاصطفاف في طوابير البطالة.
ومن هنا أعاد كريم جمال كريمي بنشقرون عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والإشتراكية التذكير بمقترح قانون سبق أن تقدم به، يرمي إلى إحداث منحة لفائدة الشباب حاملي الشهادات العليا في طور البحث عن العمل، باعتبارها آلية للإنصاف الاجتماعي ولمصالحة الشباب مع وطنهم.
إليكم نص الحوار:
ما هو السياق الذي جاء فيه مقترح إحداث منحة لفائدة الشباب حاملي الشهادات العليا العاطلين عن العمل؟
هذا المقترح جاء نتيجة خلاصات نقاشات عميقة مع الشباب، خاصة داخل منظمة الشبيبة الاشتراكية خلال مؤتمراتها الوطنية، حين كنا نبحث عن حلول واقعية لمعالجة معضلة البطالة وإشكالية دعم الدولة لحاملي الشهادات العليا، وقد توج هذا النقاش بتقديم مقترح قانون رسمي عندما كنت نائبا برلمانيا باسم حزب التقدم والاشتراكية.
وفي سنة 2015، وبعد انتخابي كاتبا عاما لمنظمة الشبيبة الاشتراكية، ثم نائبا برلمانيا عن حزب التقدم والاشتراكية، تمت بلورة هذه الخلاصات في شكل مقترح قانون قدم رسميا أمام لجنة المالية بمجلس النواب، باسم الفريق النيابي للحزب.
مقترح استحضر التجارب المقارنة، كما استند إلى وجود آلية التعويض عن فقدان الشغل، معتبرا إياها مدخلا منطقيا للتفكير في إقرار تعويض عن البطالة، ولو بشكل تدريجي ومحدود في مرحلة أولى.
تتفاقم بطالة الشباب حاملي الشهادات العليا بالمغرب في ظل تحولات عميقة عرفتها سياسات التشغيل، أبرزها ترسيم المباريات كمدخل وحيد تقريبا للولوج إلى الوظيفة العمومية، مقابل الإغلاق النهائي لباب التوظيف المباشر.
هذا التحول، وإن كان يستند إلى منطق تكافؤ الفرص، إلا أنه أفرز واقعا اجتماعيا معقدا، حيث وجد آلاف الخريجين أنفسهم مطالبين بخوض مباريات متكررة في مدن مختلفة، دون أي مواكبة اجتماعية أو دعم مادي، ما يجعل كلفة البحث عن الشغل مرتفعة وغير متاحة للجميع.
ما هي أبرز ملامح هذا المقترح من حيث طبيعة الدعم وشروط الاستفادة؟
المقترح كان يهدف إلى إحداث منحة مالية مؤقتة تمنح لمدة سنة واحدة للشباب حاملي الشهادات العليا في طور البحث عن الشغل، بقيمة ألف درهم خلال الستة أشهر الأولى و600 درهم خلال الستة أشهر الثانية، كنوع من مصروف الجيب لمساعدتهم على تغطية مصاريف التنقل واجتياز المباريات، خاصة لفائدة الشباب المنحدرين من أسر غير ميسورة.
ويقترح النص التشريعي، إحداث منحة مالية مؤقتة تصرف لمدة سنة واحدة لفائدة الشباب حاملي الشهادات العليا العاطلين عن العمل، تقدر بـ1000 درهم خلال الستة أشهر الأولى، و600 درهم خلال الستة أشهر الموالية.
وقد تم توجيه هذه المنحة أساسا نحو الشباب الذين سبق لهم الاستفادة من المنح الجامعية، باعتبارهم ينتمون إلى فئة غير ميسورة أو عديمة الدخل.
ولا يهدف هذا الدعم إلى خلق وضعية اتكالية، بل إلى توفير حد أدنى من الكرامة الاجتماعية، ومساعدة الشباب على تحمل تكاليف البحث عن الشغل، خاصة ما يرتبط بالتنقل، والإقامة، والتغذية، والمصاريف اللوجستية المرتبطة باجتياز المباريات كما يراهن المقترح على إعادة بناء الثقة بين الشباب والدولة، ومصالحة هذه الفئة مع المشاركة السياسية والحياة العامة.
ما الخلفية الاجتماعية التي دفعتكم إلى الدفاع عن هذا المقترح؟
الخلفية واضحة، فالدولة والأسر تستثمران أموالا وجهودا كبيرة في تعليم وتكوين الشباب، لكن عندما يتخرجون ويطلب منهم اجتياز المباريات في مدن متعددة، يتركون دون أي دعم، في مواجهة تكاليف باهظة وظروف صعبة، هذا وضع غير عادل ويعمق الإحباط ويضعف الثقة في المؤسسات.
الوضع يضاعف معاناة فئات واسعة من الشباب المنحدرين من أسر غير ميسورة، خاصة وأن الأسرة المغربية، إلى جانب الدولة، تستثمر لسنوات طويلة في تكوين هؤلاء الشباب عبر المنظومة التعليمية والبحث العلمي والتكوين، قبل أن يتركوا بعد التخرج في فراغ مهني واجتماعي.
فراغ لا يهدد فقط الاستقرار الاجتماعي، بل يساهم في تعميق الإحباط، وتراجع الثقة في المؤسسات، ويدفع عددا متزايدا من الشباب إلى التفكير في الهجرة، سواء النظامية أو غير النظامية، بحثا عن أفق مفقود داخل الوطن.
لماذا ربطتم هذا المقترح بفكرة التعويض عن البطالة؟
قلنا لماذا لا ننتقل تدريجيا إلى إقرار تعويض عن البطالة، ولو كبداية لفائدة فئة محددة، وهي حاملو الشهادات العليا الباحثون عن عمل، كما هو معمول به في عدد من دول العالم.
لكن للأسف، في كل مرة يطرح فيها المقترح، سواء كقانون مستقل أو كتعديل على قوانين المالية، يتم رفضه بدعوى الإكراهات المالية والعجز وصعوبة تدبير الميزانية، رغم أن الفكرة حظيت لاحقا بتبن من طرف فرق برلمانية أخرى، خاصة من المعارضة.
رغم إعادة طرح هذا المقترح في مناسبات متعددة، سواء كقانون مستقل أو كتعديلات ضمن قوانين المالية المتعاقبة،إلا أن الجواب الحكومي ظل ثابتا، ويتمثل في التذرع بالإكراهات المالية، والعجز الميزانياتي، وصعوبة تعبئة الموارد.
وهو ما أدى إلى تجميد المقترح في الولايات التشريعية السابقة، رغم أن فرقا برلمانية أخرى، خاصة من المعارضة، أعادت تبني الفكرة بصيغ مختلفة، هذا الرفض لا ينسجم مع التحولات الاجتماعية الراهنة، خصوصا في ظل الارتفاع المقلق لنسب البطالة، واتساع قاعدة الشباب غير المشتغلين ولا المتابعين للدراسة أو التكوين (NEET)، وهو رقم وصفه بالمخيف، لما يحمله من تهديدات على الاستقرار الاجتماعي ومستقبل التنمية.
ما أهمية هذا النوع من الدعم في المرحلة الراهنة؟
هذا الدعم من شأنه أن يصالح الشباب مع وطنهم، ويحد من الهجرة واستنزاف الكفاءات، ويخفف من حدة البطالة والبطالة، خاصة في ظل ارتفاع نسبتها وتزايد أعداد الشباب غير المشتغلين ولا المتابعين للدراسة أو التكوين، وهي وضعية مقلقة تهدد التوازن الاجتماعي.
التعويض عن البطالة لفائدة حاملي الشهادات العليا يمكن إدماجه ضمن منظومة الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر التي شرعت الدولة في تنزيلها، باعتباره إجراء مساعدا ومكملا، لا عبئا ماليا صرفا فالمسألة تتجاوز الدعم المالي إلى رهان استراتيجي يهدف إلى الاحتفاظ بالكفاءات الوطنية، والحد من هجرة الأدمغة، واستثمار ما راكمته الدولة من تكوين وتعليم لسنوات طويلة.
الأمل معقود على الحكومات المقبلة، خاصة مع ارتفاع صوت الشباب وتزايد الوعي بأهمية إدماجهم، ويمكن إدماج هذا التعويض ضمن منظومة الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر، لأنه عنصر مساعد وأساسي لمواكبة تطور البلاد والاستثمار الحقيقي في الرأسمال البشري.
مستقبل المغرب رهين بقدرته على احتضان شبابه، وتوفير شروط الأمل والإنصاف لهم، لأن التعليم يظل الرافعة الأساسية للترقي الاجتماعي، ولا يمكن أن يؤدي هذا الدور في غياب سياسات مواكبة تحمي الخريجين من السقوط في دوامة البطالة والإقصاء.





