غضب في صفوف المحامين الشباب بسبب “التشكيك” في دور الدفاع

حسين العياشي
صعّدت فيدرالية جمعيات المحامين الشباب بالمغرب من لهجتها تجاه تصريحات رسمية صدرت في الآونة الأخيرة، معتبرة أنها تجاوزت حدود النقد المشروع لتلامس، بحسب تعبيرها، إساءة مباشرة لمهنة المحاماة ومساساً بدور الدفاع داخل منظومة العدالة. وعبّرت الفيدرالية عن امتعاضها مما اعتبرته خطاباً غير منصف، يحمّل المحامين، ولا سيما الشباب منهم، مسؤوليات لا تمت بصلة لاختلالات أعمق تعاني منها المنظومة القضائية.
وجاء هذا الموقف على خلفية مداخلة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي داخل البرلمان، أثناء مناقشة مشروع قانون الدفع بعدم الدستورية، حيث رأت الفيدرالية أن بعض الإيحاءات الواردة في حديثه تسيء إلى كفاءة المحامين الشباب وتقدّم صورة مختزلة عن دورهم المهني. واعتبرت أن مثل هذه التصريحات لا تنسجم مع موقع الوزير كفاعل يفترض فيه صون التوازن بين مختلف مكونات العدالة، بدل تغذية خطاب يُفهم منه التشكيك في أحد أعمدتها الأساسية.
ولم تفصل الفيدرالية بين ما صدر عن وزير العدل وما ورد في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، خصوصاً المعطيات المرتبطة بإحصائيات الطعون المعروضة على محكمة النقض، معتبرة أن طريقة تقديم هذه الأرقام تحمل في طياتها تلميحاً غير مباشر يمس بمشروعية وجدوى الطعون التي يتقدم بها المحامون والمحاميات، ويختزل الحق في التقاضي في قراءة رقمية مجردة.
كما عبّرت عن استيائها من مضامين كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، خلال افتتاح السنة القضائية بمحكمة النقض، ولا سيما حديثه عن كون نسبة كبيرة من الطعون غير مجدية، والدعوة إلى الحد من الطعون غير الجدية. واعتبرت الفيدرالية أن هذا الطرح، بصيغته العامة، يهدد جوهر الحق في الدفاع، ويفتح الباب أمام تأويلات قد تُفهم على أنها تضييق غير مبرر على أحد أهم الضمانات الإجرائية للمتقاضين.
وفي قراءتها للمشهد العام، رأت الفيدرالية أن تزامن هذه التصريحات وتقاطع مضامينها لا يمكن اعتباره مجرد صدفة، بل يعكس، في نظرها، توجهاً يضع مهنة المحاماة في موقع الاتهام، ويحمّلها وزر تعثرات إصلاح العدالة، في وقت يضطلع فيه المحامون الشباب بدور متزايد في تطوير الممارسة المهنية والمساهمة في تحسين جودة الخدمات القضائية.
وجدّدت الهيئة رفضها القاطع لأي محاولة لربط ضعف حماية الحقوق والحريات أو تعثر السياسات العمومية في مجال العدالة بأداء المحامين، مؤكدة أن كرامة المهنة واستقلاليتها تشكلان خطاً أحمر لا يقبل المساومة أو التوظيف في سجالات ظرفية. واعتبرت أن الإصلاح الجاد يقتضي تشخيصاً موضوعياً لاختلالات المنظومة، مع احترام الحدود الفاصلة بين استقلال القضاء وضمان الحق في الدفاع، كما يكرسه الدستور وتؤكد عليه المواثيق الدولية.
وفي هذا السياق، شددت الفيدرالية على أن الحق في الطعن ليس امتيازاً مهنياً للمحامي، بل آلية دستورية لحماية المتقاضين وضمان حسن تطبيق القانون، داعية إلى تقديم معطيات دقيقة وشفافة حول طبيعة الطعون ومآلاتها، بدل الاكتفاء بأرقام عامة قد توظف لتبرير مقاربات تضييقية.
كما انتقدت هيمنة المقاربة الإحصائية والكمّية في تقييم أداء العدالة، معتبرة أنها تختزل الوظيفة القضائية في منطق الأرقام، وتُفرغها من بعدها الحقوقي والقانوني، بما يتعارض مع الفلسفة الدستورية التي تجعل من العدالة خدمة عمومية قائمة على الإنصاف وحماية الحقوق.
وختمت الفيدرالية موقفها بالتأكيد على أن تحقيق الأمن القضائي لا يمر عبر تقليص مجال الدفاع أو التشكيك في مشروعية الطعون، بل عبر محاربة الفساد، وتوحيد الاجتهاد القضائي، ومعالجة الأعطاب البنيوية التي ما تزال تؤثر في سير العدالة، من قبيل التسرع في البت، والأخطاء المادية في بعض الأحكام، وغيرها من الممارسات التي تقوّض ثقة المتقاضين في المؤسسة القضائية.





