الحصيلة (41): بمقاعد مراكش في ملكية “آل بن الطالب”.. من يوقف زحف التوريث السياسي؟

حسين العياشي

بعد أن أنهينا جولة “الرقابة الشعبية” في بعض دوائر الشمال، حيث تبيّن أن الصمت قد يتحول بسهولة إلى سياسة عمومية غير معلنة، نحطّ اليوم الرحال في مراكش، المدينة التي لا تبخل على البرلمان بالنواب، لكنها للأسف لا تحصل دائمًا على المقابل من حيث الأداء. تسعة برلمانيين دفعة واحدة، ثلاث دوائر انتخابية، لكن المفاجأة ليست في العدد، بل في تشابه الأسماء، وكأن لوائح الترشيح أُعدّت هذه المرة على طريقة شجرة العائلة لا على أساس الكفاءة أو الحصيلة.

في دائرتين مختلفتين، نجد أخًا وأخته تحت القبة في الولاية نفسها، ابني المستشار البرلماني الحبيب بن الطالب، في مشهد يجعل من العمل النيابي أقرب إلى مشروع عائلي طويل الأمد منه إلى تفويض شعبي مؤقت. ولأن القصص الجيدة لا تبدأ من الوسط، فالفصل الأول كتبتْه الأم، جميلة عفيف، التي سبقت أبنائها إلى مجلس النواب وقضت فيه عشر سنوات كاملة، لكنها تركت خلفها أثرًا لا يتناسب إطلاقًا مع طول المكوث ولا مع كلفة الإقامة.

في ولايتها الأولى، اكتفت بسؤالين (2) شفويين فقط، وفي ولايتها الثانية طرحت عشرة (10) أسئلة، كلها في سنة واحدة، وكأن النشاط البرلماني عندنا يخضع لتقويم انتخابي موسمي: صمت طويل، ثم انتفاضة مفاجئة عندما تقترب صناديق الاقتراع. تسع سنوات من الهدوء النيابي، مقابل ما يقارب نصف مليار سنتيم من المال العام، في صفقة يصعب الدفاع عنها بأي منطق سياسي أو أخلاقي.

وحين انتهت مدة الأم، لم يُغلق الملف، بل انتقل المقعد بسلاسة إلى الابنة،التي سبق ان كانت مستشارة برلمانية قبل ان تصبح الآن نائبة برلمانية، إنها فاطمة الزهراء بن الطالب، التي يبدو أنها قررت احترام التقاليد العائلية حرفيًا: سؤال شفوي واحد منذ 2022، والباقي صمت استراتيجي طويل المدى. لا استعجال، لا استفاقة ضمير متأخرة، لا حاجة لإزعاج الحكومة، فالولاية تمضي بهدوء، والراتب يصل في موعده، والكلفة إلى اليوم تناهز 260 مليون سنتيم، فيما العائد الرقابي يظل أقرب إلى الصفر منه إلى الحد الأدنى المقبول.

ومن دائرة جليز إلى دائرة المدينة، نلتقي بالأخ عثمان بن الطالب، الذي لم يشذّ بدوره عن القاعدة الذهبية للعائلة: حضور برلماني محدود، وأسئلة معدودة، معظمها في سنة واحدة، والبقية عطلة مفتوحة بلا طلب إذن ولا مبرر سياسي. سبعة أسئلة (7) شفوية فقط، مقابل أكثر من 260 مليون سنتيم من جيوب المواطنين، وكأن المقعد البرلماني أصبح بطاقة اشتراك طويلة الأمد في نادي الصمت المؤسساتي.

وهنا، لا يعود النقاش متعلقًا بكسل فردي أو تقصير عابر، بل بمنظومة كاملة تُنتج نوابًا لا يشعرون بأي ضغط للمحاسبة، لأن مصدر القوة لا يأتي من الأداء داخل البرلمان، بل من نفوذ خارج القبة. حين يكون الأب ماكينة انتخابية قادرة على تأمين المقاعد مسبقًا، يصبح العمل البرلماني تفصيلاً يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى، وتتحول الرقابة إلى نشاط ثانوي لا يدخل ضمن الأولويات العائلية.

بعض أبناء مراكش يختصرون المشهد بجملة ساخرة لكنها معبّرة: في هذه الدوائر، يمكن للنتائج أن تُحسم حتى قبل أن تبدأ الحملة، ويمكن للأسماء أن تفوز حتى لو غابت عن الساحة خمس سنوات كاملة. المهم أن اللقب معروف، والعائلة حاضرة، والناخب يتكفل بالباقي، إما بالتصويت بدافع الولاء، أو بالصمت بدافع اليأس.

وفي هذه المعادلة المختلة، لا يعود البرلمان فضاءً للمساءلة، بل يتحول إلى محطة عبور في مسار اجتماعي وسياسي مضمون، تُراكم فيه الامتيازات أكثر مما تُراكم فيه الإنجازات. المقعد لا يُستثمر في الدفاع عن قضايا المدينة، بل في تثبيت موقع داخل شبكة النفوذ، فيما تُترك مشاكل مراكش الحقيقية تتدبر نفسها بنفسها، أو تنتظر نائبًا لا يأتي.

لسنا هنا أمام قصة عائلة واحدة فقط، بل أمام نموذج سياسي خطير: حين يتحول التمثيل النيابي إلى امتداد للعلاقات العائلية، تصبح الكفاءة تفصيلاً، وتتحول الحصيلة إلى أمر ثانوي، ويُختزل المواطن في دور المموّل الصامت لهذه المسرحية المتكررة كل خمس سنوات.

والسؤال الذي يفرض نفسه، بلا مجاملة ولا تلطيف: هل البرلمان مؤسسة دستورية لمراقبة الحكومة وتشريع القوانين، أم شركة عائلية تُوزَّع فيها المقاعد كما تُوزَّع الأسهم داخل البيت الواحد؟ وإذا كان هذا هو الثمن الذي تدفعه مراكش مقابل “الاستقرار الانتخابي”، فربما حان الوقت لنسأل بجدية: من المستفيد الحقيقي من هذا الاستقرار، ومن الذي يدفع الفاتورة كل مرة؟

في الحلقات القادمة، قد نكتشف أن بعض الدوائر لا تغيّر نوابها، لأنها ببساطة لا تغيّر قواعد اللعبة، وأن الصندوق الانتخابي، حين يُفرغ من المحاسبة، يتحول من أداة ديمقراطية إلى ختم شرعي لتجديد نفس الوجوه.. بنفس الصمت.. وبنفس الكلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى