من الدبلوماسية إلى السرديات الرقمية: كيف تُدار الحرب غير المعلنة على صورة المغرب؟

حسين العياشي
لم يعد التوتر القائم بين المغرب والجزائر يُقرأ فقط من زاوية الخلافات السياسية الكلاسيكية، بل بات أقرب إلى مواجهة ممتدة تتعدد ساحاتها وتختلف أدواتها، دون أن تنزلق إلى صدام عسكري مباشر. ففي الوقت الذي يواصل فيه المغرب حصد مكاسب ملموسة على مستويات الدبلوماسية والاقتصاد والسياحة، تتجه بوصلة الصراع إلى ساحة أكثر حساسية وتأثيراً، هي ساحة الإعلام وصناعة الصورة، حيث تُخاض اليوم معارك النفوذ في الخفاء وبإيقاع متسارع.
في تصريحه لـ”إعلام تيفي”، اعتبر عادل عوين، عضو الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، أن المقاربة الجزائرية انتقلت خلال السنوات الأخيرة من منطق الضغط الدبلوماسي المباشر، الذي استند إلى توظيف موارد مالية كبيرة للتأثير على مواقف دول وشخصيات وازنة في الخارج، إلى استراتيجية أكثر مرونة وأوسع انتشاراً عبر الاستثمار المكثف في الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي. ويعتبر أن محدودية نتائج الرهانات السابقة دفعت إلى التركيز على بناء صور ذهنية سلبية عن المغرب داخل الفضاءات الشعبية، باعتبارها المدخل الأسرع للتأثير على الرأي العام وتوجيه المزاج الجماعي.
ويشير عوين إلى أن هذا التحول تُرجم عملياً عبر تشغيل شبكات منظمة من المؤثرين والحسابات الرقمية، تتحرك بخطاب متبدل حسب السياق، مرة بلهجة مصرية لاستثارة حساسيات مع المغاربة، ومرة بلسان مغربي لإشعال توترات مع شعوب أخرى، والغاية واحدة: ضرب صورة المغرب وعزله رمزياً عن محيطه الإقليمي، وتحويله إلى طرف مثير للجدل داخل المخيال الشعبي بدل اعتباره شريكاً طبيعياً في الاستقرار والتنمية.
ولا يضع عوين هذا المسار في إطار ثنائي مغربي جزائري فقط، بل يربطه أيضاً بتقاطعات مصالح مع قوى أخرى وجدت في تصاعد الحضور المغربي الإقليمي عاملاً مقلقاً. ففي تقديره، تابعت فرنسا بقدر من التحفظ توسع الاستثمارات والشراكات المغربية في عدد من الدول الإفريقية التي كانت تاريخياً ضمن دائرة نفوذها، خاصة في مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري من مناطق استراتيجية. ويذهب إلى أن بعض دوائر القرار في باريس كانت تراهن على أن يؤدي الفراغ الأمني إلى إعادة فتح الباب أمام عودة عسكرية فرنسية، غير أن الدينامية الاقتصادية التي ساهم فيها المغرب أوجدت توازنات جديدة حدّت من هذا السيناريو. أما في دول إفريقية أخرى، لا سيما الغنية منها، فيرى أن التقدم المغربي أصبح يطرح إحراجاً داخلياً للأنظمة القائمة، لأنه يفتح باب المقارنة مع تعثر مشاريع التنمية المحلية، ما يفسر، حسبه، صمت بعض الحكومات عن حملات معادية للمغرب أو تساهلها مع مظاهر عدائية في فضاءات لا تسمح عادة بمثل هذا النوع من التعبير.
وفي مقابل هذا المشهد المركب، يؤكد عوين أن صناع القرار في الرباط يدركون طبيعة هذا الاستهداف وحدوده، غير أن الإشكال الحقيقي، في نظره، لا يكمن في غياب الوعي، بل في ضعف الأدوات الإعلامية القادرة على مواكبة هذا الوعي وتحويله إلى فعل مؤثر. فالمعارك الجديدة، كما يوضح، لا تُحسم عبر البيانات الرسمية أو القنوات التقليدية وحدها، بل داخل فضاءات رقمية تُصنع فيها الانطباعات بسرعة وتُعاد فيها صياغة الصور الذهنية خلال ساعات لا أيام. ورغم أن أكثر من 35 مليون مغربي متصلون بالإنترنت، فإن هذا الحضور الواسع يظل، بحسب تقديره، دون توجيه استراتيجي ودون تنظيم قادر على تحويل الكتلة الرقمية إلى قوة ضغط ناعمة ومؤثرة.
انطلاقاً من ذلك، يدعو عوين إلى فتح ورش وطني جدي حول الإعلام، لا بوصفه قطاعاً مهنياً أو مجالاً ترفيهياً، بل باعتباره أداة سيادية في زمن تتقدم فيه الحروب الناعمة على المواجهات الصلبة. ويشدد على أن الاستمرار في ضخ ميزانيات معتبرة في مؤسسات إعلامية دون أثر ملموس في معارك الرأي العام لن يوفر الحماية المطلوبة لصورة البلاد ولن يضمن لها موقعاً متقدماً في رهانات المستقبل. فالمعركة المقبلة، في تصوره، ستكون لمن يحسن إدارة السرديات داخل المنصات الرقمية، ولمن يمتلك القدرة على مخاطبة الشعوب بلغتها ومن داخل فضاءاتها اليومية، مبرزاً أن الجزائر قطعت أشواطاً مهمة في هذا المجال من حيث التنظيم والتمويل ووضوح الأهداف، وهو ما يستدعي، برأيه، تحركاً مغربياً سريعاً لتدارك ما فاته.
ويخلص عادل عوين إلى أن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كانت هناك حرب إعلامية أم لا، بل حول قدرة المغرب على الانتقال من منطق التفاعل إلى منطق المبادرة، ومن الدفاع إلى بناء سردية هجومية إيجابية، تُحول الحضور الرقمي الواسع إلى قوة ناعمة منظمة تدافع عن المصالح الوطنية وتُحسن تقديم صورة البلاد في الخارج. محذراً من أن التفوق في الدبلوماسية والاقتصاد والسياحة قد يبقى هشاً وقابلاً للتآكل إذا تُركت معركة الصورة دون استراتيجية واضحة وحازمة.





