لماذا راهن المجتمع الدولي على المغرب وحده في تمثيل إفريقيا داخل مجلس السلام؟(حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر
أبرز التوقيع الرسمي على الميثاق المؤسس لـ«مجلس السلام»، الذي احتضنته مدينة دافوس السويسرية بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معطى سياسياً بالغ الدلالة يتمثل في حضور المغرب كـالدولة الإفريقية الوحيدة ضمن لائحة الأعضاء المؤسسين لهذا الإطار الدولي الجديد. هذا الحضور لا يعكس مجرد مشاركة بروتوكولية، بل يكشف عن موقع خاص للمملكة داخل التصورات الدولية المتعلقة بإنتاج السلم والاستقرار في البيئات الإقليمية المعقدة.
ففي لحظة دولية تتسم بتراجع فعالية الأدوات التقليدية لإدارة النزاعات، اختارت الجهات المبادِرة لهذا المجلس الانفتاح على عدد محدود من الدول القادرة على الاضطلاع بأدوار تتجاوز التعبير السياسي إلى المساهمة العملية في بناء التوافقات.
وضمن هذا الانتقاء الدقيق، برز المغرب باعتباره الممثل الإفريقي الوحيد، في مؤشر واضح على الثقة التي تحظى بها المملكة كفاعل إفريقي يتمتع بالاستقرار المؤسساتي، واستمرارية القرار، والقدرة على العمل داخل أطر متعددة الأطراف دون الانزلاق إلى منطق الاستقطاب.
وقد وقّع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، على الميثاق المؤسس بتعليمات من الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، عقب موافقة المملكة على الانضمام كعضو مؤسس. وتعكس هذه الخطوة رؤية مغربية تقوم على الانخراط المسؤول في مبادرات السلام الدولية، ليس من موقع التبعية أو الاصطفاف، بل من موقع الشريك الذي يساهم في صياغة المقاربات ويضطلع بأدوار تتلاءم مع رصيده السياسي والدبلوماسي.
الأهمية الخاصة لحضور المغرب تزداد وضوحاً عند استحضار بعده الإفريقي، فكونه الدولة الإفريقية الوحيدة داخل هذا المجلس يمنحه وضعية تمثيلية غير معلنة للقارة في واحدة من المبادرات الدولية الناشئة المعنية بالسلم العالمي.
وهو تموقع يعكس مسارا طويلا من الانخراط المغربي في قضايا السلم والأمن بإفريقيا، سواء عبر المؤسسات القارية، أو من خلال مبادرات التعاون جنوب–جنوب، والدبلوماسية الدينية، والمقاربات التنموية التي استهدفت معالجة جذور عدم الاستقرار بدل الاكتفاء بتدبير نتائجه.
ولفهم أبعاد هذا الاختيار ودلالاته السياسية والإستراتيجية، أجرت الجريدة حواراً مع الدكتور حكيم التوزاني، أستاذ القانون الدولي العام والعلوم السياسية بجامعة ابن زهر بأكادير، لتفكيك خلفيات هذا القرار وانعكاساته على موقع المغرب إقليميا وإفريقيا.
إليكم نص الحوار:
كيف تفسرون، اختيار المغرب كأول دولة إفريقية للانضمام إلى مجلس السلام الذي قترحه دونالد ترامب؟
اختيار المغرب كأول دولة إفريقية لا يمكن فهمه في إطار الترتيب الشكلي أو المجاملة الدبلوماسية، بل ينبغي قراءته كقرار سياسي يعكس تصورا أمريكيا متراكما لدور المملكة داخل منظومة الاستقرار الإقليمي والدولي. فالولايات المتحدة، في مقاربتها الجديدة للنزاعات، لم تعد تبحث عن شركاء يمتلكون فقط وسائل الضغط أو القوة، بل عن دول قادرة على لعب أدوار وساطة وإسناد سياسي ومؤسساتي بكلفة منخفضة من حيث الاستقطاب والاصطفاف.
والمغرب، بحكم استقراره السياسي، واستمرارية قراره السيادي، وابتعاده عن الخطابات الصدامية، راكم صورة الفاعل القابل للثقة، القادر على الاشتغال داخل ملفات معقدة دون تحويلها إلى ساحات مواجهة إيديولوجية.
من هذا المنظور، فإن أسبقية المغرب إفريقيا تعكس ترتيبا أمريكيا للأولويات، حيث تتقدم المصداقية والاستمرارية على الوزن العسكري أو الديمغرافي.
هل يرتبط هذا الاختيار بسياق حرب غزة، أم أنه يتجاوز الظرفية الراهنة؟
في تقديري، يتجاوز هذا الاختيار بشكل واضح الظرفية المرتبطة بحرب غزة، رغم أن هذه الأخيرة شكلت عاملا مسرعا لإعادة التفكير في أطر جديدة لإدارة النزاع وما بعده.
فالولايات المتحدة راكمت، منذ سنوات، رؤية تعتبر المغرب شريكا استراتيجيا طويل الأمد، وهو ما تؤكده صفته كحليف رئيسي خارج حلف شمال الأطلسي.
هذا التوصيف لا يمنح على أساس المواقف الظرفية، بل بناء على تقييم شامل لمسار الدولة، من حيث الاستقرار المؤسساتي، والقدرة على ضبط التحولات الداخلية، والتعاون الأمني والدبلوماسي المستدام.
لذلك، فإن اختيار المغرب يندرج ضمن منطق استراتيجي أوسع، يرى في المملكة فاعلا قادرا على المساهمة في هندسة مقاربات ما بعد النزاع، لا فقط في إدارة تداعياته الآنية.
ما الذي يميز المغرب عن دول إفريقية أخرى كان يمكن أن تلعب هذا الدور؟
التميز المغربي لا يقوم على غياب بدائل إفريقية، بل على اختلاف في طبيعة التموضع، فبعض الدول الإفريقية ذات الوزن الإقليمي تجد نفسها منخرطة بشكل مباشر في نزاعات مفتوحة، أو مرتبطة بخطابات سياسية ترفع منسوب التوتر، ما يجعل إدماجها في مبادرات سلام توافقية أمرا مكلفا سياسيا.
في المقابل، يتمتع المغرب بموقع خاص يجمع بين الانتماء الإفريقي، والامتداد العربي، وعدم الانخراط العسكري المباشر في نزاعات الشرق الأوسط، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعارضة.
هذا التموضع يمنحه قدرة نادرة على لعب دور الوسيط المقبول، دون استدعاء حساسيات إقليمية أو خلق استقطابات جديدة، وهو عنصر أساسي في أي هندسة سلام ذات بعد عابر للأقاليم.
كيف تنظرون إلى دور المغرب في مرحلة ما بعد النزاع، خصوصاً في السياق الفلسطيني؟
المقاربة الأمريكية الحالية تركز بشكل متزايد على مرحلة ما بعد النزاع، باعتبارها الحلقة الأضعف في تجارب التدخل السابقة.
فوقف إطلاق النار لا يكفي إذا لم يواكب بإعادة بناء مؤسساتية واجتماعية تعيد الحد الأدنى من الثقة والشرعية.
هنا تبرز خصوصية الدور المغربي، ليس من زاوية الحلول الأمنية، بل من زاوية العمل الإنساني والمؤسساتي طويل الأمد.
تجربة المغرب في القدس، من خلال رئاسة لجنة القدس وإدارة بيت مال القدس، تقدم نموذجا عمليا لدولة تشتغل داخل فضاء نزاع بحساسية عالية دون إنتاج توترات إضافية، مع التركيز على دعم صمود السكان والحفاظ على النسيج الاجتماعي والحضري.
هذا الرصيد يمنح المغرب مصداقية خاصة في أي تفكير دولي حول إعادة الإعمار أو التدبير الانتقالي.
ما المكاسب الدبلوماسية التي يمكن أن يحققها المغرب من هذا الانخراط؟
المكاسب الأساسية لا تكمن في النتائج الفورية أو في الامتيازات المعلنة، بل في إعادة تموضع المغرب داخل دوائر التفكير وصناعة القرار، خاصة في الولايات المتحدة.
فالحضور في لحظة تشكل المبادرات يمنح الدول هامشا أوسع للتأثير، لأنه يسمح لها بالمشاركة في صياغة الفرضيات التي يبنى عليها القرار، لا فقط في تنفيذ ما يقرر لاحقا.
هذا التموقع يعزز صورة المغرب كفاعل مسؤول ومساهم في إنتاج الاستقرار الدولي، وهو رصيد سياسي قابل للتوظيف على المدى المتوسط، سواء في ما يتعلق بقضاياه السيادية أو بدوره الإفريقي.
فالدول التي تنظر إليها كجزء من الحلول الدولية يصعب التعامل مع ملفاتها الاستراتيجية بمنطق تقني أو معزول عن السياق العام لعلاقاتها الدولية.
أخيراً، كيف ينعكس هذا الدور على موقع المغرب داخل إفريقيا؟
كون المغرب أول دولة إفريقية تنخرط في هذا الإطار يعزز موقعه كواجهة إفريقية موثوقة في المبادرات الدولية الكبرى، دون ادعاء قيادة أو وصاية.
فالمملكة راكمت تجربة معتبرة في العمل الإفريقي، سواء في مجالات الأمن أو التنمية أو الدبلوماسية الدينية، وهي تجربة تحظى بتقدير متزايد داخل الدوائر الدولية.
وإذا ما توسع هذا الإطار مستقبلا يشمل أزمات إفريقية، فإن المغرب سيكون مؤهلا للاضطلاع بأدوار محورية بحكم المصداقية والخبرة، لا بمنطق القوة أو المنافسة، وهو ما يرسخ ريادته الإفريقية بشكل هادئ ومستدام.





