كان 2025.. عندما يعيد الملك السيطرة على سردية أصبحت ملتهبة

بشرى عطوشي
مع اختتام بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025، دخلت البلاد مرحلة غير مسبوقة من التوتر الرمزي، حيث وجدت المملكة المغربية، الدولة المضيفة، نفسها في قلب جدل عاطفي وسردي واسع النطاق.
وفي هذا السياق، جاءت رسالة الملك محمد السادس إلى الشعب المغربي مساء الخميس في توقيت مثالي، قصد التنويه بفعالية التنظيم أثناء بطولة كأس الأمم الإفريقية، والتنويع بالتعامل السليم والراقي للشعب المغربي بكل مكوناته، مع هذا التنظيم.
ففي الأيام التي تلت المباراة النهائية، ظهرت ظاهرة أعمق من مجرد خيبة أمل رياضية. فقد عبّر الشارع المغربي عن الشعور بالظلم، بل وحتى عدم الفهم، إزاء ما اعتُبر تناقضًا بين جهود المملكة (التنظيم، وكرم الضيافة، والاستثمارات، والتعبئة الشعبية) والطريقة التي استُغلت بها بعض الأحداث أو أُسيء تفسيرها.
وفي ظلّ بيئة إعلامية ورقمية مشبعة ومعادية، حمل هذا التسلسل خطرًا واضحًا: الانزلاق من العاطفة إلى الاستياء، ومن النقاش الرياضي إلى تفسير قائم على الهوية أو الجيوسياسية.
يأتي الخطاب الملكي تحديدًا عند هذه النقطة المحورية. فهو لا يسعى إلى تأجيج الجدل ولا إلى الرد المباشر على الهجمات. ويُغيّر هذا النهج استراتيجياً، مسار النقاش، فلم تعد كرة القدم هي القضية المحورية، بل بات التركيز على الأداء التنظيمي، والتماسك الوطني، ومسار التنمية في البلاد.
إن اختيار توجيه الشكر صراحةً للمواطنين والعائلات والمشجعين ليس بالأمر الهين، فهو يؤكد أن بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025 هي في المقام الأول نجاح جماعي، وأن هذا النجاح لا يُقاس بآخر دقيقة من مباراة، بل بشهر من التعبئة غير المسبوقة. وبذلك، تُعيد الرسالة قيمة الجهد الوطني، في وقتٍ بدأ فيه النقاش العام يركز على الحادثة.
وهناك أيضا عنصر أساسي آخر، حيث تم الاعتراف بالأحداث ووصفها بأنها لا تمت للروح الرياضية بصلة، ولكن تم احتواءها بدقة، من أجل أن لا تتحول إلى صدمة وطنية أو ذريعة رمزية للحرب. هذه الأولوية بالغة الأهمية، فهي تمنع استغلال الحدث لمنطق التصعيد العاطفي أو الشعور الجماعي بالضحية.
استبعاد العاطفة ..والدعوة إلى تبصر وحكمة لكسر شوكة الحاقدين
بتذكيره بأن “الانفعال سيهدأ” وأن الأخوة الأفريقية ستنتصر، يُقدّم جلالة الملك منظورًا طويل الأمد، على عكس سرعة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وترسم الرسالة خطًا فاصلًا واضحًا: لا ينبغي للعاطفة أن تُملي الموقف الاستراتيجي للبلاد.
يُعدّ الجزء المُخصّص لمحاولات التشويه بلا شكّ الجزء الأكثر أهمية في الخطاب، وهو ليس إنكارًا، بل إشارة. فالمغرب لا يُصوّر نفسه كضحية ولا كسلطة أخلاقية، بل يُؤكّد ثقته في نضج مجتمعه وقوة شراكاته الأفريقية.
يتماشى هذا الموقف مع الدبلوماسية المغربية في السنوات الأخيرة: تجنّب التصعيد، والحفاظ على قنوات التعاون، وترسيخ صورة الاستقرار والموثوقية، وفي سياق قاري يتّسم بتوترات سياسية واقتصادية وأمنية، يُعزّز هذا الموقف مصداقية المملكة.
وباختتام بطولة كأس الأمم الأفريقية برسالة تدعو إلى الاستمرارية لا إلى القطيعة، يُمثّل الخطاب الملكي آليةً ختاميةً فعّالة. فهو يحمي صورة المغرب في ظل اقترابه من محطاتٍ هامة، سواءً أكانت مشاريع قارية كبرى أم منافسات دولية مستقبلية.
ولا تمحو هذه الرسالة خيبة الأمل أو التوترات، بل تضعها ضمن إطارٍ مُحكم. وفي فترةٍ كان الخطر الأكبر فيها هو فقدان السيطرة على الخطاب، تُشير الرسالة بوضوح إلى عودةٍ إلى الأساسيات مثل الاستقرار المؤسسي، والرؤية طويلة الأمد، وتفضيل المصلحة الوطنية على عواطف اللحظة.





