منصة ذكية لمغاربة العالم تثير جدلاً حول الكلفة والمنطق العمومي للصفقات

حسين العياشي

عاد الجدل حول كلفة مشاريع التحول الرقمي إلى الواجهة بعد معطيات تفيد بتأشير الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، كريم زيدان، على صفقة تناهز قيمتها 3.264.000 درهم، تتعلق بتصميم وتطوير وتنفيذ منصة رقمية موجهة لمواكبة استثمارات مغاربة العالم بالمغرب. خطوة أعادت طرح أسئلة قديمة متجددة حول منطق صرف المال العام، وحدود الاختيارات التقنية في سياق اقتصادي واجتماعي يتسم بتزايد الضغوط على الميزانية العمومية وارتفاع المطالب بترشيد النفقات وربط القرار بالمحاسبة.

وحسب الوثائق المرتبطة بالصفقة، التي حُدد تاريخ فتح أظرفتها في 24 فبراير 2026، يُقدَّم المشروع باعتباره أداة استراتيجية لتعزيز جاذبية المغرب الاستثمارية لفائدة مغاربة العالم، عبر منصة متعددة اللغات تعتمد تقنيات ذكية لتوفير الإرشاد والتوجيه والمواكبة. غير أن التدقيق في دفتر الشروط التقنية والوظيفية يكشف عن تصور تقني بالغ التعقيد، يثير تساؤلات حول مدى التناسب بين الغاية المعلنة وحجم الوسائل المرصودة لتحقيقها.

فالمواصفات تشترط اعتماد منصة من فئة Digital Experience Platform بنسخة Enterprise، مع منظومة متكاملة لإدارة المحتوى، ومحركات بحث داخلية متقدمة، ونظم سير عمل واستبيانات، وأدوات تخصيص لتجربة المستخدم، إضافة إلى وحدات للذكاء الاصطناعي وروبوت محادثة ذكي، وبنك مشاريع استثمارية، وخرائط تفاعلية متعددة الطبقات، ومحول عملات، ومكتبة وثائق مؤمنة، إلى جانب متطلبات واسعة للإدماج التقني عبر واجهات برمجية وبنية Microservices. كما تفرض الصفقة معايير أمنية عالية تشمل الاستضافة السيادية، والمصادقة متعددة العوامل، وجدران حماية تطبيقية احترافية، وتدقيقاً أمنياً معتمداً، والالتزام بمعايير دولية من قبيل ISO 27001 وISO 27701، مع بنية تقنية تضمن جاهزية تشغيل بنسبة 99.9 في المائة.

ويتجاوز النقاش الجانب التقني ليأخذ بعداً سياسياً ومالياً أوسع، في ظل سياق تتزايد فيه الدعوات إلى ربط كل مشروع عمومي بعائد واضح وقابل للقياس، في وقت تواجه فيه قطاعات اجتماعية أساسية ضغطاً متصاعداً على الموارد. ويلاحظ متتبعون أن التحول الرقمي، الذي يُفترض أن يكون مدخلاً لتقليص الكلفة وتحسين النجاعة، بات في بعض الحالات عنواناً لمشاريع مرتفعة الكلفة تُقدَّم بخطاب تقني معقد يصعب على الرأي العام تفكيكه أو تقييم جدواه الحقيقية.

كما يثير المشروع تساؤلات إضافية بشأن غياب معطيات منشورة حول تقييم تجارب رقمية حكومية سابقة، أو مقارنة واضحة بين الكلفة المتوقعة والأثر الفعلي على الاستثمار، أو تحديد مؤشرات دقيقة لقياس نجاعة المنصة بعد إطلاقها. وهو ما يجعل النقاش يمتد من تفاصيل البرمجة والبنية التحتية إلى صلب القرار العمومي نفسه، ومعايير ترتيب الأولويات، وآليات التتبع والمساءلة.

ولا يشكك المتابعون في أهمية مغاربة العالم ودورهم المحوري في جذب الاستثمارات ونقل الخبرات، ولا في الحاجة إلى أدوات رقمية حديثة لتسهيل تواصلهم مع الإدارة والفرص المتاحة، غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت هذه الصفقة، بصيغتها الحالية، تمثل الخيار الأكثر عقلانية ونجاعة لتحقيق هذا الهدف، أم أنها تعكس توجهاً نحو تضخيم الحلول التقنية دون نقاش عمومي كافٍ حول بدائل أقل كلفة وأكثر ملاءمة لحاجيات المستثمرين الفعلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى