أرض سلالية بالفحص-أنجرة تحوّل الغموض العقاري إلى صراع اجتماعي مفتوح

حسين العياشي

تعيش منطقة فحص أنجرة على وقع نزاع متصاعد حول وضعية قطعة أرضية تُعرف محلياً باسم “كذية سيدي ميمون”، في ملف تتداخل فيه الذاكرة الجماعية مع التعقيد القانوني، وتختلط فيه الوقائع التاريخية بتأويلات متباينة لطبيعة الملكية. عدد من السكان يعتبرون أن الأرض ذات طابع جماعي، تشكّل في سياق خاص يعود إلى فترة الاستعمار، حين جرى الاتفاق بين الأهالي على كراء مواقع لاستغلال المقالع الحجرية من طرف أجانب، وهو ما أفرز مع مرور الزمن وضعية عقارية ملتبسة لم تكن قائمة في الأصل، قبل أن تتراكم حولها ممارسات واستعمالات غير محسومة قانونياً.

وتشير معطيات توصل بها “إعلام تيفي”، إلى أن بعض الوقائع الموثقة تعود إلى سنة 1950، حين كان الاستغلال يتم في إطار ما كان يُعرف بالملكية الجماعية، غير أن هذه الخلفية التاريخية لم تُترجم لاحقاً إلى مسار قانوني واضح يحدد بدقة طبيعة العقار وحدوده، ما فتح المجال لتأويلات متضاربة استمرت إلى اليوم. هذا الغموض ازداد تعقيداً بسبب تضارب التصريحات الرسمية نفسها، إذ يتضمن الملف ثلاث إفادات صادرة عن نائب سلالي، يقرّ في إحداها بالطابع الجماعي للأرض، ثم يصرّح في أخرى بأنها ملكية خاصة، من دون أن تُرفق هذه التحولات بأي رسوم عدلية أو وثائق رسمية تُثبت تغيير التكييف القانوني للعقار.

هذا التناقض لم يقتصر على مستوى التصريحات، بل امتد إلى مواقف عدد من الإدارات المعنية، من بينها المحافظة العقارية والسلطات المحلية ومصالح المياه والغابات، التي اعتبرت بدورها أن الأرض تندرج ضمن الملكية الخاصة، رغم أن مطلب التحفيظ لم يُودَع إلا سنة 1979، حسب ما صرّحت به مصادر “إعلام تيفي”، أي بعد عقود من الاستغلال والتداول في ظل وضعية قانونية غير محسومة، وهو ما يطرح تساؤلات إضافية حول الأساس الذي بُنيت عليه بعض هذه التكييفات الإدارية.

في المقابل، يؤكد متضررون أنهم فوجئوا باستدعاءات قضائية بدعوى احتلال الأرض، تقدّم بها أشخاص ينتمون إلى عائلات بعينها، يقال إنهم يسعون إلى الاستحواذ على القطعة المتنازع حولها، رغم أنها، في نظرهم، لا تتوفر على مقومات فلاحية أو اقتصادية تفسر حدة الصراع حولها. وتشير المصادر نفسها إلى أن توالي الدعاوى أدخلهم في دوامة من المساطر القضائية المرهِقة، واستنزفهم نفسياً ومادياً، دون أن يُحسم أصل الإشكال المتعلق بطبيعة الملكية وحدودها الفعلية.

ويضيف بعض المشتكين أنهم لا يحتلون أرض الغير، بل يتصرفون في أملاك موروثة أو مقتناة بطرق يعتبرونها مشروعة، وتحمل تسميات محلية مختلفة عن الاسم المتداول في النزاع. فالأراضي التي يستغلونها، بحسب روايتهم، تُعرف باسم “المغارة” وليس “كذية ميمون”، ما يجعلهم يعتقدون أن الخلاف لا يتعلق حتى بالقطعة نفسها، بل بتداخل في الأسماء والحدود، جرى توظيفه لزجّهم في نزاع طويل الأمد.

وأمام هذا التشابك بين التاريخ والعرف والوثائق الغائبة والتصريحات المتناقضة، يطالب المتضررون بفتح تحقيق جدي يعيد ترتيب الوقائع ويحدد المسؤوليات بدقة، بعيداً عن منطق الضغط أو فرض الأمر الواقع.

كما يدعون إلى تدخل الجهات المختصة لتجميع المعطيات المتفرقة وربطها بسياقها الزمني والقانوني الصحيح، تفادياً لتحول نزاع عقاري إلى بؤرة دائمة للاحتقان الاجتماعي في منطقة تحتاج إلى حلول عادلة بقدر ما تحتاج إلى وضوح قانوني يضع حداً لسنوات من الالتباس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى