مشروع قانون التعليم العالي 59.24.. إصلاح أم خوصصة مقنعة؟

أميمة حدري: صحافية متدربة
يواصل مشروع قانون التعليم العالي والبحث العلمي رقم 59.24، محط نقاشات حادة داخل الأوساط التعليمية والبرلمانية، وسط انقسامات واضحة بين من يعتبره “اصلاحا ضروريا ومتقدما” ومن يعتبره “تهديدا لاستقلالية الجامعة وقيمها التقليدية”.
وقد شغل هذا المشروع الرأي العام منذ عرضه على أنظار المجلس الحكومي في نهاية غشت 2025، وما تلا ذلك من مناقشات في البرلمان، وإضرابات واحتجاجات من طرف الأساتذة والطلبة، وصولا إلى مصادقته بالأغلبية في يناير 2026.
يندرج هذا المشروع في سياق سعي الدولة إلى تحديث منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، بهدف جعلها أكثر مساهمة في التنمية الوطنية، وتقريب الجامعة من احتياجات سوق الشغل ومتطلبات الابتكار. وقد سبق للمجلس الحكومي أن صادق على نص القانون في غشت 2025، في خطوة أولية قبل عرضه على البرلمان، وذلك في إطار تنفيذ مضامين القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
أحد أبرز التعديلات التي أثارها مشروع القانون هو إحداث جهاز جديد في تسيير الجامعات يسمى مجلس الأمناء، يفترض أن يضطلع بأدوار واسعة في توجيه السياسات والاستراتيجيات، في حين تقلص صلاحيات مجلس الجامعة المنتخب الذي كان يعد الهيئة العليا تقريريا داخل المؤسسة الجامعية، وهو ما اعتبره منتقدون تهديدا لمبدأ الديمقراطية الجامعية واستقلالية التعليم “العمومي”.
كما يتضمن المشروع مقتضيات تهدف إلى تنويع مصادر تمويل الجامعات، بفتح الباب أمام دعم من الجماعات الترابية والقطاع الخاص، وإمكان توليد الموارد الذاتية عبر أنشطة الابتكار والتكوين والبحث، في محاولة لتعزيز الاستقلال المالي للمؤسسات الجامعية وتقليل الاعتماد شبه الكامل على الميزانية العامة.
ورغم ما يصفه مؤيدو المشروع بـ”الإصلاح الشامل” وإعادة تأسيس الجامعة المغربية لتكون أكثر فعالية ومواكبة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، ويكون قادرة على إنتاج المعرفة والمنافسة على المستوى الدولي، فقد تعرض المشروع لانتقادات حادة من جهات أكاديمية ونقابية وسياسية.
في هذا الإطار، أكدت سلوى البردعي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن أعطاب الجامعة المغربية عميقة وتتطلب تدخلات جذرية. مشيرة إلى أن 25.7 بالمائة من خريجي الجامعات يعانون من البطالة، في ظل ارتفاع مقلق لمعدلات الهدر الجامعي التي بلغت 45 بالمائة، ما يعكس فشلا واضحا للسياسات المعتمدة في إدماج الشباب في سوق العمل.
وترى البردعي أن ضعف ميزانية البحث العلمي يمثل عائقا كبيرا أمام تطوير المعرفة ودعم الابتكار، مشيرة إلى أن مخصصات البحث العلمي لا تتجاوز 1 بالمائة من ميزانية التعليم، وهو ما وصفته بـ”النسبة الضعيفة جدا” التي لا يمكن أن تشكل محفزا للنهوض بالجامعة المغربية.
وأضافت أن التركيز الحالي على الشعب ذات الاستقطاب المحدود يجعل الشعب ذات الاستقطاب المفتوح في وضعية هشاشة، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في أولويات التعليم العالي وتوجيهه نحو رؤية شاملة تدمج بين التشغيل، والبحث العلمي، والتقدم التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي بما يواكب التجارب العالمية للدول المتقدمة.
وأوضحت البردعي أن مشروع قانون التعليم العالي، الذي كان ينظر إليه على أنه فرصة لإصلاح الإشكالات الأساسية، جاء مخيبا للآمال، إذ رغم احتوائه على بعض المقتضيات الإيجابية، إلا أنه لم يرتق إلى مستوى الطموحات ولا يعكس الرؤية الاستراتيجية اللازمة لتطوير الجامعة المغربية.
وشددت على أن الإصلاح الحقيقي للجامعة يتطلب مقاربة شاملة ترتكز على تحسين التشغيل، وتمكين البحث العلمي، ودعم الابتكار، وربط التعليم بمؤشرات سوق العمل الحديثة، بما يضمن للشباب مغربا قادرا على المنافسة والتطور.





