صمت القيادات يفضح الكواليس: هل فُرض شوكي على الأحرار؟

حسين العياشي

يخيّم صمت لافت على عدد من دوائر القرار داخل التجمع الوطني للأحرار منذ طرح اسم محمد شوكي في واجهة الترشيح لقيادة الحزب، صمت لا يبدو بريئاً ولا عابراً، خصوصاً في الجهات التي تحتضن قيادات وازنة تُعد من أعمدة الحزب، سواء من الجيل المؤسس أو من الوجوه الصاعدة التي راكمت حضوراً تنظيمياً وانتخابياً خلال السنوات الأخيرة.

فبعيداً عن الخطاب الرسمي المنضبط، تعبّر كواليس الحزب عن امتعاض واضح من اسم “سقط من فوق”، وبدأ في ظرف وجيز يستحوذ على مواقع مؤثرة في هرم القرار، وهو ما لم يمر دون تحفظ لدى أعيان اعتادوا أن تكون الترقية السياسية ثمرة مسار طويل من التوازنات والولاءات المتبادلة.

مصادر من داخل الحزب أكدت لـ”إعلام تيفي”، أن حالة الإجماع غائبة تماماً حول هذا الاختيار، وأن الدعم الحقيقي يقتصر على دائرة ضيقة من المقربين من شوكي، في مقابل فتور واسع داخل بقية المكونات، التي لم تُخفِ، في جلسات مغلقة، رفضها لفكرة أن يتولى قيادة حزب الأحرار شخص لا يتوفر، في نظرهم، على الوزن السياسي أو الاقتصادي الذي اعتادت النخب الحزبية الاصطفاف خلفه. فالتقاليد غير المعلنة داخل الحزب طالما ربطت مواقع القيادة بشخصيات تفوق غيرها نفوذاً وتأثيراً، بما يضمن الحد الأدنى من التوازن بين مراكز القوة.

الأكثر دلالة في هذا المشهد هو موقف القيادات الجهوية في دوائر انتخابية كبرى مثل أكادير والرباط وطنجة ومكناس.. حيث اختير الصمت بدل إعلان الدعم، في سلوك غير معتاد داخل حزب اشتهر بسرعة التعبئة الإعلامية والتنظيمية كلما تعلق الأمر بقرارات القيادة.

هذا الصمت لم يقتصر على القيادات فحسب، بل امتد إلى المناضلين المحليين الذين اعتادوا، في محطات سابقة، إغراق الفضاء الرقمي بالترويج لكل مستجد حزبي، حتى تلك التي لا ترقى في رمزيتها إلى مستوى الحديث عن مرشح وحيد لقيادة حزب يزخر بأسماء ثقيلة قادرة على خلق توافق أوسع.

في خلفية هذا المشهد، تبرز رواية أخرى تتداولها مصادر حزبية، تفيد بأن هذا الاختيار لم يكن ثمرة مسار تشاوري أو منافسة داخلية حقيقية، بل نتيجة ترجيح منطق القوة التنظيمية. فمحمد شوكي، بصفته منسقاً جهوياً حقق نتائج انتخابية مهمة في استحقاقات 2021، راكم موقعاً متقدماً في ميزان النفوذ داخل الحزب، وهو ما استُثمر، وفق هذه المصادر، لتمرير ترشيحه بدعم مباشر من عزيز أخنوش، أكثر مما كان نتاج اقتناع جماعي بملاءمته لقيادة فريق الحزب داخل البرلمان.

بهذا المعنى، لا يبدو الجدل الدائر اليوم مرتبطاً بشخص شوكي فقط، بل بالطريقة التي يُدار بها منطق الاختيار داخل حزب يفترض أنه يقود الأغلبية الحكومية. فحين يُفرض اسم من أعلى هرم القيادة، ويُقابل بصمت ثقيل من مراكز نفوذ تقليدية، فإن الرسالة التي تُلتقط داخل القواعد ليست رسالة توافق، بل رسالة حسم بالقوة التنظيمية، وهو ما يطرح، مرة أخرى، سؤال الديمقراطية الداخلية وحدودها، ليس فقط داخل التجمع الوطني للأحرار، بل داخل المشهد الحزبي المغربي ككل.

ومع اقتراب موعد المؤتمر القادم للتجمع الوطني للأحرار، يبدو أن الأجواء ستكتسب طابعاً مشحوناً وغير مسبوق، إذ سيشكل هذا الحدث اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على ضبط توازناته الداخلية بعد التعيينات الأخيرة. خلاله، ستتضح الصورة حول ما إذا كان الحزب سيمضي في طريق القيادة الأحادية التي فرضت من أعلى، أم أنه سيلجأ إلى نموذج تشاركي أقرب إلى القيادة الثلاثية، على غرار ما اعتمده حزب الأصالة والمعاصرة، بما يتيح مساحة أكبر للتوافق بين القيادات التقليدية والصاعدة. المؤتمر سيكشف بذلك ليس فقط عن طبيعة القيادة المستقبلية، بل عن مدى التماسك الداخلي ومرونته في مواجهة التحولات والتحديات التي يفرضها المشهد السياسي المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى