مفتشية المالية تفتح ملفات أسفار المسؤولين وتدقق في تعويضات المهام الخارجية

حسين العياشي
تشهد عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية خلال الفترة الأخيرة حركية رقابية غير مسبوقة تقودها المفتشية العامة للمالية، همّت إخضاع نفقات مرتبطة بأسفار وتعويضات عن مهام خارجية لعمليات افتحاص دقيقة، في سياق تدقيق موسّع يستند إلى معطيات وتقارير أولية تشير إلى اختلالات محتملة في مساطر الترخيص والصرف، وإلى شبهات حول توظيف بعض “الأوامر بالمهمة” خارج إطارها الوظيفي.
وبحسب معطيات متطابقة، باشرت فرق التفتيش مراجعات معمقة لوثائق الأوامر بالمهمة ودفاتر المهمات ومخصصات الرحلات المؤشر عليها، حيث شملت المرحلة الأولى من الافتحاص عينة تضم ثلاث عشرة مؤسسة ومقاولة عمومية، مع توجه واضح نحو توسيع نطاق التدقيق تبعًا لما ستكشفه النتائج الأولية من مؤشرات إضافية قد تستدعي تعميق البحث وتوسيع دائرة المراقبة.
ويرتكز هذا الافتحاص على فحص ملفات رحلات العمل خارج المملكة وتعويضاتها، بعد توصل المفتشية بإخباريات وتقارير رقابية تفيد بإمضاء مسؤولين إداريين سامين على أوامر بمهمة تحيط بها شبهات تتعلق بتسخيرها لأغراض لا ترتبط مباشرة بمهام المؤسسات، وتحويلها، في بعض الحالات، إلى آلية غير مباشرة لتدبير امتيازات إدارية.
وفي هذا الإطار، ركّز المفتشون على التحقق من وجاهة مبررات السفر ومدى ارتباطها الفعلي بالأهداف الوظيفية للمؤسسات المعنية، إلى جانب سلامة مساطر الترخيص والتأشير والمصادقة الإدارية، بما في ذلك احترام التسلسل التنظيمي وتطابق الوثائق مع الضوابط الجاري بها العمل.
كما امتد التدقيق إلى شروط التنقل والإقامة الممنوحة لبعض المستفيدين، من حيث درجة السفر الجوي، ومستوى الإيواء، ومدد الإقامة، ومدى انسجامها مع المعايير التنظيمية المؤطرة لنفقات المهام، مع إخضاع الكلفة الإجمالية للمصاريف للمقارنة مع الأسعار المرجعية والعقود المبرمة مع مزودي الخدمات، في إطار تقييم مدى احترام قواعد ترشيد الإنفاق والنجاعة المالية.
واعتمدت فرق التفتيش في عملها على معطيات صادرة عن أجهزة الرقابة الداخلية والخارجية، إضافة إلى محاضر وتصريحات الآمرين بالصرف، وهو ما مكّن من تعزيز مؤشرات الاشتباه المرتبطة بكيفية تدبير هذه النفقات، وربطها بسياق عام يتطلب تشديد الرقابة على أوجه الصرف ذات الطابع المتكرر والمرتفع الكلفة.
وفي مقابل هذا الضغط الرقابي، سُجّلت حالة تعبئة داخل عدد من المؤسسات المعنية، حيث جرى تجميع وترتيب السجلات والوثائق المرتبطة بالأوامر بالمهمة، مع مراجعة تواريخها وصلاحيتها ومدى ملاءمتها لطبيعة المهام المنجزة، في إطار مواكبة مساطر الافتحاص الجارية والاستجابة لمطالب فرق التفتيش المتعاقبة.
ولم يقتصر التفتيش على النفقات الحديثة فقط، بل شمل تتبع مصير مصاريف مرتبطة بمهام خارجية خلال السنوات الأربع الماضية، من خلال افتحاص محاسباتي دقيق لدفاتر المهمات والتأشيرات الصادرة عن الآمرين بالصرف، بهدف التثبت من سلامة الصرف وتطابق التعويضات مع المهام التي أُنجزت فعليًا على أرض الواقع.
وفي خلفية هذا التدقيق، تكشف معطيات مالية عن تمركز لافت لكتلة الأجور والتعويضات لدى فئات إدارية عليا، إذ تستحوذ الفئات المصنفة خارج السلالم على نسبة وازنة من الميزانية العمومية للأجور، بينما تسجّل فئات أخرى مستويات مرتفعة من التعويضات، في سياق إقليمي تُصنَّف فيه الأجور بالوظيفة العمومية بالمغرب ضمن الأعلى مقارنة بمؤشرات الدخل الفردي، ما يضاعف من حساسية الرأي العام تجاه طرق تدبير الامتيازات المرتبطة بالوظائف العليا.
وتندرج هذه التحركات الرقابية ضمن توجه عام يروم تشديد مراقبة النفقات العمومية وتعزيز قواعد الحكامة داخل المؤسسات والمقاولات العمومية، مع تركيز خاص على ربط التعويضات والامتيازات المهنية بإنجاز مهام فعلية وقابلة للتتبع والتقييم، بما يعزز متطلبات الشفافية والمساءلة، ويعيد الاعتبار لمبدأ التدبير الرشيد للمال العام.





