مهنيّو الصحة بين وعود التشريع وإكراهات التطبيق داخل المجموعات الصحية الترابية

حسين العياشي

أعاد سؤال كتابي تقدّمت به النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء باتا، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، تسليط الضوء من جديد على الإشكالات القانونية والإدارية التي رافقت مسار نقل وإدماج موظفي قطاع الصحة داخل المجموعات الصحية الترابية، وعلى الغموض الذي يلفّ الحدود الدقيقة لمفهوم “مهنيي الصحة” كما أقرّه التشريع وكما يجري تفعيله على أرض الواقع.

السؤال البرلماني استحضر السياق الذي قُدّم فيه مشروع القانون رقم 39.21 أمام البرلمان، حين سوّقته الحكومة بوصفه خطوة تأسيسية لإخراج مهنيي الصحة من دائرة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وفتح الباب أمام نظام أساسي خاص يستحضر طبيعة مهامهم وحجم المخاطر والمسؤوليات التي يتحملونها، في إطار ما جرى تسميته حينها بـ“الوظيفة العمومية الصحية”. غير أن النائبة البرلمانية ترى أن هذا التصور، كما بُني تشريعياً، لم يترجم عملياً بالشكل الذي يعكس الالتزامات السياسية والقانونية التي قُدّمت للمؤسسة التشريعية.

وفي هذا الإطار، نبّهت إلى أن شريحة واسعة من العاملين بالقطاع ما تزال خاضعة للأنظمة السابقة، دون أن تلمس أثراً فعلياً لآليات تحفيزية أو ضمانات مهنية تجسد الخصوصية التي جرى التنظير لها. كما أثارت الانتباه إلى حذف وصف “العمومية” من مفهوم الوظيفة الصحية في القانون رقم 09.22، معتبرة أن هذا التغيير المفاهيمي يفتح باب التساؤل حول طبيعة الإطار القانوني الجديد، وحدود ما يوفره من حماية وظيفية وأمن مهني لمهنيي الصحة.

وتوسّع السؤال ليشمل ما أعقب المصادقة على القانون رقم 08.22 المتعلق بإحداث المجموعات الصحية الترابية، خاصة ما ورد في المادة 16 بشأن النقل والإدماج. ووفق ما جاء في المراسلة، فقد طُبّقت إجراءات وُصفت بالمباغتة على عدد من موظفي قطاع الصحة العاملين بالمصالح اللاممركزة، حيث جرى إلحاقهم بالمجموعات الصحية الترابية دون إشعار مسبق، ودون تسليم قرارات إدارية فردية، أو صدور توضيحات رسمية تبيّن الأسس القانونية والمساطر المعتمدة في هذا الانتقال.

هذه التطورات، بحسب النائبة البرلمانية، أفرزت حالة من التوجس في صفوف المعنيين، وأثارت مخاوف حقيقية مرتبطة بالاستقرار المهني وبمبدأ الأمن القانوني، في ظل غياب رؤية واضحة لكيفية تنزيل مقتضيات النقل والإدماج، وما يترتب عنها من حقوق والتزامات، لاسيما في ما يتعلق بالمسار المهني والوضعية المالية للأطر الصحية.

ومن خلال هذا السؤال، يجد وزير الصحة والحماية الاجتماعية نفسه أمام مساءلة مباشرة حول مشروعية هذه الإجراءات، ومدى احترامها للمقتضيات القانونية والتنظيمية، فضلاً عن ضرورة توضيح النطاق الدقيق لمفهوم “مهنيي الصحة” في ظل المنظومة التشريعية الجديدة. وهي مساءلة تأتي في لحظة يعرف فيها القطاع تحولات هيكلية عميقة، كان من المفترض أن تُواكب بضمانات قانونية وإدارية واضحة تطمئن العاملين به، بدل أن تُعمّق الإحساس بالضبابية وعدم اليقين داخل المرفق الصحي العمومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى