المجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان.. حصيلة الرقابة المالية وتحديات الحكامة الاجتماعية والترابية

فاطمة الزهراء ايت ناصر 

قدمت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، مداخلة أمام البرلمان بمناسبة عرض التقرير السنوي للمجلس برسم سنتي 2024–2025.

وتندرج هذه المداخلة في إطار المقتضيات الدستورية التي تخول للمجلس عرض خلاصات أعماله الرقابية والقضائية أمام المؤسسة التشريعية، وذلك في سياق وطني يتسم بمتابعة تنفيذ السياسات العمومية والاستعداد لاستحقاقات قادمة.

وأبرزت العدوي أن هذا اللقاء السنوي ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو تجسيد فعلي لمقتضيات الدستور، وفرصة لتقوية الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية، وتكريس مبدأ الشفافية في تدبير الشأن العام.

كما شددت على أن عمل المجلس الأعلى للحسابات يندرج ضمن الرؤية الملكية السامية الرامية إلى ضمان أن تشمل ثمار التنمية جميع المواطنين، دون تمييز مجالي أو اجتماعي.

وركزت المسؤولة على إبراز الأثر الفعلي لأعمال المحاكم المالية، سواء في بعدها القضائي أو الرقابي، فقد أظهرت المعطيات المقدمة أن تدخلات المجلس والمجالس الجهوية للحسابات أسفرت عن تحقيق أثر مالي هام، تمثل في استرجاع وتحسين موارد عمومية بمئات الملايين من الدراهم، سواء عبر تحصيل ديون وواجبات مستحقة، أو تصحيح اختلالات في الصفقات العمومية والتدبير المفوض.

وفي هذا السياق، أوضحت العدوي أن اختصاص التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية لا يهدف إلى الزجر في حد ذاته، بل يسعى بالأساس إلى تقويم التدبير العمومي والوقاية من الاختلالات، مع احترام صارم للمساطر القانونية وضمان حقوق الدفاع.

كما حذرت من الاستغلال غير الموضوعي لتقارير المجلس، خاصة في الفترات الانتخابية، لما قد يسببه ذلك من تشويش على الرأي العام وإضعاف الثقة في المؤسسات.

توقفت المداخلة عند إشكالية تمثلات الفساد، مبرزة أن تضخيم الانطباعات السائدة حوله قد يكون في بعض الأحيان بنفس خطورة الفساد نفسه، لما يخلفه من فقدان للثقة في العمل العمومي.

ودعت في هذا الإطار إلى قراءة موضوعية ومتأنية لمخرجات الرقابة المالية، والتمييز بين الأخطاء التدبيرية التي تخضع للتأديب المالي، والأفعال ذات الصبغة الجنائية التي تبقى من اختصاص القضاء الزجري.

وعلى المستوى الاجتماعي، خصصت العدوي حيزا مهما لتقييم ورش الحماية الاجتماعية، لاسيما نظام التأمين الإجباري عن المرض، مسجلة تقدما ملحوظا في توسيع قاعدة المستفيدين، مقابل تحديات حقيقية تتعلق بالتوازنات المالية واستدامة التمويل، وقدمت في هذا الصدد جملة من التوصيات، همت تحسين آليات الاستهداف، وتعبئة موارد مالية مستدامة، وتعزيز التنسيق بين مختلف السياسات العمومية.

أما في مجال التنمية الترابية، فقد أبرزت المداخلة أن برامج تقليص الفوارق المجالية حققت بعض المنجزات، لكنها ما زالت تعاني من اختلالات في التشخيص، ودقة الاستهداف، وربط التمويل بالأثر الفعلي على المواطن. ودعت إلى الانتقال من منطق الكم إلى منطق الجودة، ومن تتبع نسب الإنجاز إلى قياس الأثر التنموي الحقيقي.

 وأكدت على أن نجاح السياسات العمومية رهين بتقوية آليات الحكامة، وتكامل أدوار مختلف الفاعلين، واحترام قواعد الشفافية والمساءلة.

كما شددت على أن المحاكم المالية ستواصل أداء مهامها باستقلالية وموضوعية، خدمة للصالح العام، ودعما لمسار التنمية والديمقراطية ببلادنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى