الحصيلة (46): نائب لا يزعج أحدًا.. جمال ديواني وصناعة الصمت المريح

حسين العياشي
من أكادير، المدينة التي تُطالب كثيرًا وتُمثَّل قليلًا، نواصل تفكيك مشهد برلماني يبدو وكأنه صُمم بعناية لتجنّب الإزعاج. بعد مقعد التجمع الوطني للأحرار، نصل اليوم إلى المقعد الثاني من مقاعد التحالف الحكومي، وهذه المرة بقبعة حزب الاستقلال، مع النائب البرلماني جمال ديواني، الرجل الذي جمع بين صفتين ثقيلتين: نائب عن الأمة، ورئيس مجموعة الجماعات الترابية لأكادير الكبير للنقل والتنقلات الحضرية. منصبان، ومسؤوليتان، وحصيلة.. بالكاد تُرى بالعين المجردة.
خلال أربع سنوات كاملة تحت قبة البرلمان، لم يعثر سجل ديواني سوى على عشرة (10) أسئلة شفوية. عشرة فقط، أي بمعدل سؤالين ونصف في السنة، إيقاع بطيء لدرجة أن المواطن قد يظن أن الأسئلة تُطرح في البرلمان عبر البريد لا في جلسات عمومية. أما توزيع هذه الأسئلة، فيشبه توزيع الصدقات في مواسم معينة: دفعة في 2022، سؤال يتيم في 2023 كمن يضع وردة على قبر، سؤالان في 2024، ثم سؤالان في 2025، فقط حتى لا يقال إن العداد توقف نهائيًا.
مقابل هذا “المجهود”، كلّف المقعد البرلماني وحده ما يقارب 216 مليون سنتيم من المال العام. رقم لو قُسّم على عدد الأسئلة، لأدركنا أننا أمام أحد أغلى الأسئلة الشفوية في تاريخ البرلمان: سؤال بملايين، وإجابة غالبًا بلا أثر. وكأننا أمام صفقة غريبة: المال يدفع كاملًا، أما الرقابة فتأتي بنظام التقسيط المريح.
والسؤال الذي يفرض نفسه بسخرية مرة: كيف لنائب يشرف على ملف النقل والتنقلات الحضرية في مدينة تختنق بالازدحام، أن لا يجد ما يسائل به الحكومة إلا عشر مرات في أربع سنوات؟ هل مشاكل النقل في أكادير حُلّت فجأة؟ هل الشوارع توسعت لوحدها؟ هل الحافلات أصبحت تنطلق بدقة سويسرية؟ أم أن الصمت هنا خيار سياسي، لأن طرح الأسئلة قد يزعج شركاء التحالف؟
في البرلمان، يبدو جمال ديواني نموذجًا لـ“النائب غير المزعج”: لا يرفع صوته، لا يحرج الوزراء، لا يفتح ملفات ثقيلة، يمرّ مرور الكرام كما تمرّ الحافلة الفارغة في ساعة الذروة. حضوره آمن، وصمته أكثر أمانًا، وهذا بالضبط ما تحتاجه أغلبية حكومية لا تحب الضجيج.
أما حزب الاستقلال، الذي طالما تغنّى بتاريخه ومواقفه، فيبدو اليوم مرتاحًا لهذا النوع من التمثيل الهادئ. استقلال بلا استقلالية، ومسؤولية بلا مساءلة، وحضور بلا أثر. نائب يجلس في البرلمان كما يجلس موظف ينتظر نهاية الدوام، لا لشيء سوى لتسجيل الحضور.
والأكثر استفزازًا أن هذا الأداء لا يُعد استثناءً في أكادير، بل حلقة ضمن سلسلة طويلة: نواب يطالبون بثقة الناخبين، ثم يختفون، ويعودون لاحقًا بصور افتتاح مشاريع أو منشورات عامة لا علاقة لها بدورهم الدستوري. البرلمان هنا لا يُستعمل كأداة للدفاع عن الساكنة، بل كواجهة أنيقة تزيّن السيرة السياسية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بعدد الأسئلة فقط، بل بما تعنيه. السؤال الشفوي ليس رفاهية، بل أداة ضغط، إحراج، وإجبار للحكومة على الالتفات. وعندما يتحول إلى نشاط موسمي محدود، فذلك يعني شيئًا واحدًا: أن النائب اختار السلامة على حساب التمثيل.





