الحصيلة (47): أكادير إداوتنان: بين نائب يسائل التعليم وآخر لا يسائل حتى ضميره

حسين العياشي
إذا كانت حصيلة النواب مرآةً لنبض الدوائر، فإن دائرة أكادير إداوتنان لا تعكس النبض بقدر ما تعكس مفارقة صارخة: نائب يشتغل حتى تبحّ حنجرته، وآخر يلتزم صمتًا أقرب إلى الزهد السياسي، وكلاهما تقاضى الثمن نفسه..
لنبدأ من المشهد الأكثر إرباكًا.
حسن أومريبط، النائب البرلماني عن حزب التقدم والاشتراكية، بـ 62 سؤالًا شفويًا. رقم ثقيل في زمن الخفة السياسية. الرجل لا يبدو أنه فهم البرلمان كفضاء للصور التذكارية، بل كمكان مزعج، يطرح الأسئلة، يفتح الملفات، ويُحرج القطاعات، خصوصًا التعليم. قد توافقه أو تختلف معه، لكن لا يمكنك أن تقول إنه كان غائبًا. هذا نائب يستهلك الميكروفون… لا الكرسي فقط.
ثُم نقلب الصفحة، فنصطدم بمشهد صامت إلى درجة الإحراج. حرفيًا! لا شيء.
حميد وهبي، النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، بـصفر سؤال شفوي. لا في التعليم، لا في الصحة، لا في التشغيل، لا في الغلاء، لا في الماء، ولا حتى سؤال مجاملة عابر. مقعد برلماني كامل..
ليس “قليلًا”، ليس “ضعيفًا”، بل صفر كامل. كأن الرجل انتُخب على أساس ألا يُقاطع أحدًا، وألا يطرح أي سؤال قد يفسد الانسجام الحكومي. مقعد برلماني في وضعية “الطيران”. لكن في نفس العائلة السياسية، عبد اللطيف وهبي، الذي كثيرًا ما وُصف بحدة الأسئلة وارتفاع الصوت، طرح في أضعف ولاياته 36 سؤالًا شفويًا. مما يعني أن الصمت ليس قدرًا عائليًا، بل اختيار شخصي.. مريح ومربح.
لوحة صادمة وستظل شائعة، للأسف، ما دام البرلمان لا يعمل بنظام “تدفع حسب الاستهلاك”.
فالتعويضات التي تدفع شهريًا لا تقول:”اشتغل كثيرًا فله الأجرين، وهذا صمت فليُخصم منه”.
لا..
جميعهم يتقاضون الملايين شهريًا، بالتساوي، وبهدوء، وبلا خجل..
ولأن العبث لا يحب أن يكون وحيدًا، نعيد إدخال الشخصيتين اللتين توقفنا عندهما سابقًا لتكتمل اللوحة.
جمال ديواني، بـ 10 أسئلة شفوية؛
حصيلة تشبه حضور موظف إداري يأتي متأخرًا، يغادر مبكرًا، ويطلب منك في الأخير “تفهم الظروف”.
ثم عبد الله طايع، 3 أسئلة فقط؛
ثلاث محاولات خجولة لإثبات أن المقعد لم يكن فارغًا تمامًا. ثلاث إشارات حياة، ثم عودة إلى الصمت الطويل.
وهكذا تتحول دائرة أكادير إداوتنان إلى معرض برلماني مفتوح، لا تُعرض فيه البرامج ولا الرؤى، بل تُستعرض أنماط الحضور والغياب. نائب يشتغل وكأنه ما يزال يعتقد أن هناك ناخبًا يراقب، يسأل، وربما يحاسب؛ وآخر يلتزم الصمت لا عجزًا، بل ثقةً في أن أحدًا لن يزعجه بسؤال أو يوقظه من سباته النيابي. بينهما نائب يحضر بنصف قناعة، يؤدي الحد الأدنى من الطقوس البرلمانية كما يؤدي موظف واجبه قبل نهاية الدوام، ونائب آخر يمر على المؤسسة التشريعية مرور الزائر البروتوكولي: مصافحة، صورة، ثم اختفاء أنيق.
مشهد متكامل، لا ينقصه سوى لوحة تعريفية عند المدخل تقول للمواطنين: هكذا يُصرف ضرائبكم في التمثيل.. دون إزعاج أصحاب المقاعد.
الفاتورة النهائية؟
864 مليون سنتيم..
ليس مقابل تشريعات كبرى، ولا معارك رقابية، بل مقابل لوحة سريالية عنوانها:
“التمثيل غير المتكافئ.. بثمن موحد”.
بعد هذا كله، يصبح الشارع أقل غرابة من البرلمان.
وتصبح الاحتجاجات مفهومة أكثر من الصمت..
ويصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يغضب المواطن؟
بل: كيف لا يغضب أمام هذا العبث؟





