مجلس المنافسة يدعو إلى تسريع الانتقال نحو الصلب الأخضر

أميمة حدري: صحافية متدربة
دعا مجلس المنافسة إلى تسريع الانتقال نحو الصلب الأخضر، معتبرا أن هذا التحول يشكل رافعة مركزية لإعادة تموقع صناعة الصلب الوطنية وتعزيز تنافسية سوق حديد الخرسانة، في سياق يتسم بتحديات بنيوية مرتبطة بضعف استغلال القدرات الإنتاجية، وارتفاع التكاليف، وتزايد الضغوط البيئية والتنظيمية على الصعيدين الوطني والدولي.
وأكد المجلس، في رأي حديث معنون بـ”السير التنافسي لسوق مواد البناء، سوق الإسمنت نموذجا”، أن صناعة حديد الخرسانة تعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها عدم الاستغلال الكامل للطاقات المتاحة لإنتاج السبائك الفولاذية ودرفلتها، وهو ما ينعكس سلبا على القدرة التنافسية للفاعلين، سواء من حيث الأسعار داخل السوق الوطنية أو من حيث المردودية المالية. معتبرا أن معالجة هذه الإشكالات لا يمكن أن تتم فقط عبر تنظيمات جزئية تخص سوق حديد الخرسانة، بل تستدعي إدراجها ضمن رؤية شمولية تشمل مختلف مكونات صناعة الصلب.
وأوضح مجلس المنافسة أن التوجه المتزايد نحو الاندماج القبلي عبر إنتاج السبائك الفولاذية لا يزال غير كاف لتعزيز تنافسية حديد الخرسانة، في ظل استمرار هيمنة عرض وطني يقتصر في الغالب على منتجات نمطية محدودة القيمة المضافة، دون تطوير حلول ابتكارية موجهة خصيصا لقطاع البناء والأشغال العمومية أو لأسواق تطبيقية أخرى. معتبرا أن هذا الوضع يحد من قدرة المصانع الوطنية على مواكبة التحولات الصناعية الكبرى التي يعرفها الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، شدد المجلس على ضرورة الدفع بصناعة الصلب الوطنية نحو تبني أفضل الممارسات الدولية، بما يضمن تموقعها في المراحل القبلية للقطاعات الصناعية ذات الأولوية الاستراتيجية للمغرب، سواء تعلق الأمر بالبنيات التحتية المستدامة، أو التحول الصناعي، أو مشاريع الطاقات المتجددة، أو سياسات استبدال الواردات وتعزيز السيادة الصناعية. وأبرز أن تطوير عرض صناعي يتلاءم مع هذه الرهانات يتطلب استثمارا متزايدا في منتجات ذات قيمة مضافة عالية، تستجيب للمعايير البيئية ومتطلبات الاستدامة التي أصبحت شرطا أساسيا للولوج إلى الأسواق الوطنية والعالمية.
وفي ما يتعلق بالشق الطاقي، سجل حسب الرأي ذاته، أن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعلى رأسها صناعة الصلب، لا تزال متأخرة نسبيا في مجال الانتقال الطاقي مقارنة بقطاعات أخرى ضمن منظومة مواد البناء، مثل صناعة الإسمنت. ورغم الجهود المبذولة من طرف بعض الفاعلين في مجال النجاعة الطاقية وترشيد الاستهلاك، فإن اعتماد مزيج طاقي قائم على الطاقات المتجددة لا يزال محدودا.
ودعا المجلس إلى تشجيع الفاعلين الذين يعتمدون على الجهد العالي والجد العالي جدا على الانتقال إلى مزيج طاقي أكثر تنافسية واستدامة، بما يتيح تقليص التكاليف التشغيلية على المدى المتوسط والبعيد، ويدعم في الآن ذاته بروز صناعة الصلب الأخضر. واعتبر أن هذا التحول من شأنه أيضا تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، والحد من الآثار البيئية السلبية، لاسيما تلك المرتبطة بانبعاثات الكربون وتأثيرها على الموارد المائية والبيئية.
وأشار التقرير إلى أن تسريع الانتقال نحو الصلب الأخضر ينبغي أن يندرج ضمن مخطط وطني مستدام لصناعة الصلب، يهدف إلى تلبية الحاجيات المتزايدة للاقتصاد الوطني، ومواكبة دينامية التصنيع، وفي الوقت نفسه الاستجابة لتحديات التنمية المستدامة. وأكد أن هذا المخطط يتعين أن يعالج الصعوبات التي تعيق تطور سوق حديد الخرسانة، بما يضمن مواكبته لبرامج التعمير والسكن ومشاريع تطوير البنيات التحتية، خصوصاً في ظل الأوراش الكبرى المبرمجة على الصعيد الوطني.
وختم المجلس بالتأكيد على أن الانتقال نحو الصلب الأخضر لا يشكل خيارا ظرفيا، بل مسارا استراتيجيا يفرضه السياق الدولي والتحولات العميقة التي يعرفها قطاع الصناعة، داعيا إلى تضافر جهود الدولة والفاعلين الصناعيين من أجل إرساء نموذج إنتاجي تنافسي، منخفض الكربون، وقادر على تعزيز تموقع الصناعة الوطنية للصلب داخل سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.





