الحصيلة (48): اشتـوكة آيت باها: الديمقراطية بنظام “الوضع الصامت”

حسين العياشي
بعد أن أسدلنا الستار على لوحة أكادير البرلمانية، لا نحتاج إلى السفر بعيدًا لنكتشف أن المشهد لا يتغير كثيرًا، بل يعيد إنتاج نفسه بوجوه أخرى. ننتقل بضعة كيلومترات فقط، لنحط الرحال في دائرة اشتوكة آيت باها؛ دائرة تُنفق عليها الدولة ما يقارب 720 مليون سنتيم في كل ولاية تشريعية، ليس لتمثيل المواطن… بل أحيانًا للتمثيل عليه.
ثلاثة مقاعد، ثلاثة نواب، وثمن معلوم سلفًا. السؤال الوحيد هو: ماذا اشترى هذا المبلغ من ترافُع؟
الجواب، للأسف، لا يحتاج إلى عدّاد.
لنبدأ بالأسوأ، ثم ننتقل، كما جرت العادة، إلى الأسوأ منه.
إسماعيل كرام، نائب حزب التجمع الوطني للأحرار، نموذج مكتمل لما يمكن تسميته بـالشباب البرلماني الزخرفي. شاب حُمل إلى البرلمان على أكتاف الخطاب الرسمي عن التجديد وضخ الدماء الجديدة، لكنه وصل إلى المؤسسة التشريعية واختار أن يتبرع بالدم.. للصمت.
لا صوت للدفاع عن الشباب، ولا حتى حماس للتطبيل للحكومة كما يفعل أقرانه داخل الحزب نفسه. الحصيلة؟ صفر سؤال شفوي.
نعم، صفر كامل غير قابل للتأويل.
صفر كلف دافعي الضرائب ما يقارب 216 مليون سنتيم، مقابل صمت طويل مدفوع الأجر، لا تشويش فيه ولا إحراج.
وقصته لا تنتهي هنا؛ فالنائب الشاب هو نجل محمد سعيد كرام، المستشار البرلماني السابق عن حزب الاستقلال، الذي غادر المشهد السياسي مكرهًا بعد أحكام قضائية. وحين تعجز بعض العائلات عن مغادرة الكراسي، حتى بعد أن تقول العدالة كلمتها، فإنها لا تتقاعد.. بل تورّث.
هكذا وجد الابن نفسه نائبًا، لا عن مشروع، ولا عن رؤية، بل عن فراغ تركه الأب. فهل كل هذا الإصرار من أجل خدمة المواطن؟
يبدو أن الجواب مكتوب بوضوح داخل ذلك الصفر الكبير الذي يطبع الحصيلة.
ننتقل إلى المقعد الثاني، حيث الحسين أزوكاغ، عن حزب الاستقلال، نائب وبرلماني ورئيس جماعة بلفاع.. لخمـس ولايات متتالية. رجل متعدد القبعات، لكنه قليل الأسئلة.
حصيلته 8 أسئلة شفوية، توقفت عقاربها عند سنة 2022، وكأن الزمن البرلماني بالنسبة إليه قرر التوقف احترامًا لمساره الطويل في المناصب. منذ ذلك التاريخ، صمت.. لكن مع استمرارية التعويضات، طبعًا.
أما المقعد الثالث، فيشغله أحمد بومكوك، الرئيس السابق لحسنية أكادير، عن حزب الأصالة والمعاصرة. انتقل من تسيير فريق كروي إلى تسيير الصمت تحت قبة البرلمان.
12 سؤالًا شفويًا، كلها توقفت بدورها في سنة 2022، وكأن نواب الدائرة اتفقوا، دون تنسيق معلن، على إعلان هدنة جماعية مع المساءلة.
وهكذا، تكتمل لوحة دائرة اشتوكة آيت باها:
شباب يُقدَّم كواجهة بلا صوت،
منتخبون مخضرمون يشتغلون بذاكرة منتهية الصلاحية،
وأحزاب أغلبية تكتفي بعدّ المقاعد بدل عدّ الأسئلة.
ثلاثة نواب، 720 مليون سنتيم، وحصيلة يمكن تلخيصها بجملة واحدة:
التمثيل قائم.. لكن المواطن غائب، أما الترافع فهو في عطلة مفتوحة.





