مثقفون ومسؤولون سابقون يدقون ناقوس تراجع دور الثقافة في مواكبة تحولات المجتمع المغربي

أميمة حدري: صحافية متدربة
دق مثقفون وباحثون ومسؤولون حكوميون سابقون ناقوس الخطر بشأن تراجع دور الثقافة في مواكبة التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع المغربي، محذرين من انعكاسات هذا التراجع على مسارات بناء الإنسان، وترسيخ الهوية، وتحقيق التنمية الشاملة، وذلك خلال ندوة وطنية احتضنتها مؤسسة محيط للدراسات والبحوث، خصصت لمناقشة موقع الثقافة في واقع مغربي متحوّل.
وأكد المتدخلون أن الثقافة لم تعد شأنا رمزيا أو نشاطا نخبويا معزولا عن رهانات المجتمع، بل أضحت رافعة استراتيجية في تشكيل الوعي الجماعي، وتعزيز المناعة الاجتماعية، ومواجهة تحديات العولمة والتحولات القيمية المتسارعة، مشددين على أن تهميشها في السياسات العمومية والنقاش العمومي أسهم في إضعاف قدرتها على تأطير التحولات الاجتماعية وتوجيهها.
وفي هذا السياق، اعتبر عدد من المفكرين أن الإشكال المركزي لا يكمن في ندرة الخطاب الثقافي أو غياب المشاريع الفكرية، بقدر ما يتمثل في فشل تحويل هذا الرصيد النظري إلى ثقافة مجتمعية حية تنعكس في السلوك اليومي وفي أنماط التفكير والعلاقات داخل المجتمع، وهو ما عمّق الفجوة بين الفكر والممارسة، وبين الخطاب والواقع.
وسجل المشاركون أن الانشغال بقضايا ثانوية، على حساب الأسئلة الجوهرية المرتبطة ببناء الإنسان والارتقاء بالوعي، ساهم في إنتاج ما وصفوه بـ”الوعي المزيف”، الذي يكرس السطحية ويبدد الجهود، بدل أن يعزز النقد والمسؤولية والانخراط الواعي في قضايا المجتمع. واعتبروا أن الثقافة الاجتماعية، رغم كونها مرآة للهوية الجماعية، تحمل في طياتها اختلالات وسلوكات تحتاج إلى تفكيك ونقد عميقين.
وفي تشخيصهم لأسباب هذا الوضع، توقف المتدخلون عند تراكمات تاريخية وثقافية متداخلة، بعضها نابع من إرث تقليدي جامد، وبعضها الآخر مستورد من تجارب خارجية لم تندمج بشكل متوازن في السياق المغربي، ما أفرز واقعا ثقافيا معقدا، رغم توالي الدعوات الإصلاحية منذ أواخر القرن التاسع عشر.
كما نبهوا إلى أن غياب الثقافة كمنظومة قيم جامعة أضعف القدرة على تدبير الاختلاف داخل المجتمع، وفتح المجال أمام منطق الإقصاء والتنافر، وهو ما انعكس سلبا على التماسك الاجتماعي، وساهم في إضعاف مناعة المجتمع أمام نزعات الاستبداد والتطرف، وفي تعميق مظاهر الضياع على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وفي السياق ذاته، سجل تراجع القدرة الاستباقية للثقافة في استشراف المستقبل وصناعة الأحلام الجماعية، في مقابل تحولات عالمية متسارعة أعادت طرح أسئلة جديدة حول الهوية والسيادة والمعنى، معتبرين أن الثقافة فقدت، إلى حد كبير، دورها التاريخي في فتح آفاق الأمل وتغذية الخيال الجماعي.
كما أثيرت إشكالات مرتبطة باللغات الوطنية، حيث جرى التأكيد على أن ترسيم العربية والأمازيغية دستوريا لم يواكبه حضور فعلي قوي لهما في الحياة العامة والإنتاج الفكري والأدبي والفني، ما يعكس تعثرا في أحد المرتكزات الأساسية لبناء الشخصية الوطنية. ولم يغب عن النقاش وضع المدرسة المغربية، التي وُصفت بأنها تعاني أزمة ثقة عميقة، رغم توالي الإصلاحات، وعجزت إلى حدود اليوم عن الاضطلاع بدورها كفضاء لإنتاج المعرفة وبناء العقل النقدي وضمان الصعود الاجتماعي.
وفي ختام النقاش، شدد المتدخلون على أن إعادة الاعتبار للثقافة يمر عبر إدماجها في صلب السياسات العمومية، وربطها بشكل وثيق بالإصلاح الاقتصادي والتنموي، وتعزيز دور المثقف المسؤول القادر على ترسيخ ثقافة الالتئام، وتقليص منسوب التشرذم، وتركيز النقاش العمومي على المشترك القيمي، باعتبار ذلك شرطا أساسيا لبناء مجتمع متماسك وقادر على مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.










