سيول الشمال..بين الغرق والنجاة نظام يعمل بالذكاء الاستباقي ( تقرير)

بشرى عطوشي

في فالنسيا بإسبانيا، في ليبيا، وفي قلب ألمانيا، كما في آسفي، لم تمر السيول بسلام، أخذت معها أفرادا وأسرا وأحبابا.

في شمال المملكة المغربية، حصيلة السيول التي ضربت البلاد أخيرا، عرفت أضرارا لكنها أقلها، بحثنا قليلا بعد صمت سكن هدير مياه أغرقت مدينة بأكملها، لكننا وجدنا بعيدا عن حكومة تتفرج، من يدير المعركة خلف الستائر، المغرب اليوم والحمدلله يضرب به المثل في مراكز إدارة الكوارث الدولية.

سد واد المخازن: الحارس الشخصي لمدينة القصر الكبير

نراه كمجرد حائط إسمنتي فقط لحجز المياه للسقي، لكن في الحقيقة هذا السد وهو الحارس الشخصي لمدينة القصر الكبير.

في علم الهيدرولوجيا هناك مصطلح مهم يسمى دروة التدفق، عندما تهطل الأمطار بغزارة تصب في السد وتأتي بسرعة، هنا تظهر عبقرية المهندس المغربي، السد لا يكتفي بحجز الماء، بل يقوم بعملية الفرملة الذكية.

حسب ما تظهره البحوث، لا تفتح الأبواب بعشوائية، هناك تقنية ما يسمى النمذجة الرياضية، يحسب المهندسون بالثانية عبر النمذجة الرياضية، كم سيستغرق الماء ليصل إلى أول حي في القصر الكبير.

إذا تم فتح البوابة بنسبة 10 في المائة، هل ستتحمل القنوات؟ هذه الحسابات المعقدة هي التي منعت الطوفان من أن يصبح إبادة، المغرب اليوم يمتلك واحدا من أعقد أنظمة التنبؤ بالسدود في إفريقيا، وهذا هو السر الأول.

هندسة تحت الأرض

في طنجة وتطوان الكل لاحظ بأن هذه المدن تتنفس  رغم الأمطار الغزيرة لماذا؟ لأنه ببساطة تم التوصل إلى أنه يجب التوقف عن تجهيز السطح، وبدء الحفر تحت الأرض، فمالا يراه المتتبع العادي هو مشاريع الحماية من الفيضانات.

أنفاق مائية

في طنجة وتطوان تم بناء أودية اصطناعية تحت الأرض، فبدلا من ترك واد امغوغة وواد مالح يفيض في الشوارع تم ترويضه وتسليكه داخل قنوات إسمنتية عملاقة تقوده مباشرة للبحر، لكن هناك تفصيلة تقنية مذهلة، المنشآت الذكية لامتصاص الطاقة.

الماء القادم من الجبال يكون بطاقة حركية مدمرة، المهندسون وضعوا عوائق هندسية مدروسة تكسر سرعة الماء قبل وصوله للمناطق المأهولة بالسكان، هذا ما يسمى امتصاص غضب الطبيعة هندسيا.

السيادة اللوجيستية..العقل المدبر

العلم لا يكفي إذا لم تكن هناك قبضة حديدية تديره، وهنا يأتي دور مركز اليقظة والتنسيق، بحيث هناك نظام يعمل بالذكاء الاستباقي قبل 48 ساعة من العاصفة، تكون الخرائط الحرارية قد حددت كل نقطة سوداء، فقد لاحظ الجميع كيف كانت القوات المساعدة تدق أبواب البيوت في القرى المعزولة، قبل أن يرتفع منسوب المياه.

هذا يسمى علميا Early warning system  نظام الإنذار المبكر، ففي دول كبرى هناك من ماتوا في سياراتهم لأن الإنذار جاء متأخرا بعشر دقائق، في المغرب، هناك تنسيق بين الأرصاد الجوية والداخلية والجيش يعمل بالساعة السويسرية، وهو الندماج الذي يجعل من المنظمات الدولية تنظر للتجربة المغربية كمرجع عالمي .

في النهاية الفيضانات ستتكرر والتغير المناخي قادم ولا محالة منه، لكن الفرق بين دولة تغرق ودولة تنجو هو الاستعداد.

المغرب اليوم يثبت أنه ليس بلدا محظوظا بل بلدا ذكيا بمهندسيه، بوقايته المدنية وبأمنه وجيشه، لازال هناك عمل كثير، ولاتزال هناك قرى تحتاج حماية أكثر لكن المسار الذي نحن فيه هو مسار الكبار.

هل استعدت المدن الأخرى بنفس القدر الذي استعدت به مدن الشمال؟

فيضانات آسفي..اختلالات بنيوية وعمرانية

تتعدد الأسباب التي فاقمت الخسائر البشرية والمادية، فمن جهة هناك اختلالات واضحة في شبكات تصريف مياه الأمطار، حيث لم تكن مدة التساقطات ولا حجمها الاستثنائي وحدهما سبب الكارثة، بقدر ما كان عجز البنية التحتية عن استيعاب كميات مركّزة من المياه في زمن وجيز. فخلال أقل من ساعة تحولت شوارع وأزقة المدينة، خاصة في المدينة القديمة، إلى مجارٍ مائية جرفت السيارات واقتحمت المحلات والمنازل، حيث أكدت بعض التقارير  أن سرعة الانغمار تعود إلى انسداد القنوات وضعف قدرتها الاستيعابية، وليس فقط إلى شدة الأمطار.

عامل مفاقِم آخر تمثل في وضعية واد الشعبة، الذي يخترق مدينة آسفي، ويُعد أحد المنافذ الطبيعية الرئيسية لتصريف المياه نحو البحر. فمصب الوادي كان مغلقًا بكتل خرسانية صناعية من النوع الذي يُستعمل لحماية السواحل من قوة الأمواج، وهو ما منع انسياب المياه وأدى إلى ارتداد السيول نحو داخل المدينة بدل تصريفها الطبيعي. هذا الخلل، الذي وُصف من طرف مهندسين بأنه “خطأ تقني جسيم”، أعاد إلى الواجهة مسؤولية القرارات المتخذة في التخطيط العمراني، والذي لا يراعي مثل هذه الظروف.

فهل سيتم تدارك مثل هذه الاختلالات والأخطاء لكي لا تسقط في مدننا ضحايا يكون سببها الإهمال، الريع، الفساد، وتعاقب المنتخبين الفاشلين في تدبير هذه الكوارث؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى