حين يُجرّ ذوو الحقوق إلى القضاء.. شهادة تفضح ما يجري في كذية سيدي ميمون

حسين العياشي
في سياق تتزايد فيه النزاعات المرتبطة بالأراضي السلالية، وتتعاظم معه محاولات تحويل الملك الجماعي إلى ملكيات فردية عبر مسالك قانونية معقدة، تجد العديد من الجماعات السلالية نفسها في مواجهة معارك طويلة للدفاع عن أراضٍ شكّلت عبر التاريخ جزءًا من ذاكرتها الجماعية ومورد عيشها الأساسي. هذه النزاعات لا تقتصر آثارها على الجوانب القانونية فحسب، بل تمتد لتزرع التوتر داخل الدواوير، وتفتح الباب أمام صراعات اجتماعية تستنزف الساكنة وتربك الاستقرار المحلي.
في هذا السياق، قدّم مصادر محلية لـ”إعلام تيفي” شهادته حول نزاع يطال قطعة أرضية سلالية معروفة محليًا باسم “كذية سيدي ميمون”، كاشفًا ما يعتبره محاولة ممنهجة للاستيلاء على عقار جماعي راسخ في تاريخه ووضعه القانوني، ومعروف لدى الساكنة منذ أجيال دون أي لبس.
وبحسب المصدر، يتعلق الأمر بقطعة أرضية تمتد على مساحة تناهز 18 هكتارًا، تقع بقرية “البرج” التابعة لجماعة ملوسة بإقليم فحص–أنجرة. وهي أرض جماعية سلالية متعارف عليها محليًا، ظل أهل المنطقة يتناقلون معرفتها ووضعيتها جيلًا بعد جيل، كبارًا وصغارًا، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الملك الجماعي الذي لم يكن يومًا محل خلاف داخل الجماعة.
ويعود تاريخ هذه الأرض إلى ما قبل مرحلة الاستقلال، حيث كانت في الأصل جبلًا كبيرًا يضم مقالع حجرية استغلها أجانب خلال فترة الاستعمار، من فرنسيين وإسبان وإيطاليين. وبعد الاستقلال، استمر استغلال هذه المقالع من طرف مغاربة، غير أن ذلك، وفق المصدر، لم يغيّر من طبيعة الأرض القانونية، التي ظلت مصنفة كأرض جماعية سلالية، خاضعة للأعراف والقوانين المنظمة لهذا النوع من الأملاك.
غير أن التحول اللافت، كما يرويه المصدر، بدأ مع ظهور أشخاص غرباء عن الجماعة السلالية، يدّعون ملكية الأرض بدعوى الإرث عن أجدادهم. وهي ادعاءات يصفها المتحدث بغير المؤسسة، مؤكدًا أن أصحابها لا تربطهم بالأرض أي علاقة قانونية أو تاريخية، لا عن طريق الشراء ولا عن طريق الإرث، ولا يتوفرون على وثائق أو حجج تثبت حقوقًا لهم فيها.
ويشير المصدر إلى أن عددا من الوثائق والمعطيات التاريخية تؤكد الطابع الجماعي السلالي للأرض، موضحًا أن أي عمليات بيع أو تفويت سابقة، إن وُجدت، تعود إلى مراحل ما قبل الاستعمار، ولا يمكن أن تشكل سندًا قانونيًا لاكتساب الملكية الفردية في الوقت الراهن. ورغم ذلك، يضيف المتحدث، يعمد المدّعون إلى مضايقة ذوي الحقوق الحقيقيين، من أبناء الجماعة السلالية، عبر جرّهم إلى المحاكم واتهامهم باحتلال أرض يزعمون أنها تدخل ضمن أملاكهم الخاصة.
وتبرز المفارقة، بحسب المصدر، في أن المستغلين الفعليين للأرض هم من ذوي الحقوق السلالية، الذين يستثمرونها بشكل مشروع ومتوارث، في حين يلجأ المدّعون إلى استغلال المساطر القضائية، على أمل انتزاع أحكام لصالحهم، تمهيدًا لمواجهة الجماعة السلالية أو قسم الشؤون القروية بهذه الأحكام، في محاولة لإضفاء شرعية قانونية على ادعاءات يصفها المصدر بغير الثابتة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، وفق الشهادة ذاتها، بل يتعداه إلى إقحام أشخاص من خارج الدوار، بل ومن خارج لائحة ذوي الحقوق، وتقديمهم على أنهم ورثة أو أن أجدادهم كانوا شركاء في الأرض. وهي روايات ينفيها المصدر جملة وتفصيلًا، مؤكدًا عدم وجود أي أصل تاريخي أو قانوني يربط هؤلاء بـ”كذية سيدي ميمون”.
ويختم المصدر حديثه بالتأكيد على أن هذه الأرض ظلت، منذ القدم، أرضًا جماعية سلالية معروفة لدى الساكنة، ولا يجهل حقيقتها أحد من أهل المنطقة. كما عبّر عن أسفه لما خلّفه هذا النزاع من معاناة نفسية واجتماعية لذوي الحقوق، وما سببه من توتر داخل الدوار، مشددًا في الآن ذاته على ضرورة تحصين الأراضي السلالية من محاولات السطو والتحايل، وصون حقوق أصحابها الشرعيين وفق ما يقره القانون وما تثبته الذاكرة الجماعية والتاريخ المحلي.





