الحصيلة (51): البرنوصي: ملايين تُدفع كل آن مقابل أسئلة غائبة عن العيان

حسين العياشي

في البرنوصي، حيث تتكدّس الأحياء الشعبية وتتصاعد مطالب الشغل والنقل والخدمات كما يتصاعد غبار الإسفلت المتآكل، تبدو القبة البرلمانية بعيدة.. بعيدة إلى حدّ الصمت. ليس لأن صوت الساكنة منخفض، بل لأن من يفترض أن ينقله اختار أن يتركه معلقًا خارج الجلسات، خارج الأسئلة، وخارج المساءلة.

دائرة البرنوصي، بثلاثة مقاعد برلمانية، تكلّف دافعي الضرائب في كل ولاية مئات الملايين. ثمنٌ ثقيل يفترض أن يُترجم إلى حضور، إلى ضغط، إلى مساءلة، إلى ترافع يومي باسم أحياء تعيش الهشاشة على تفاصيلها. لكن حين نفتح دفاتر الحصيلة، نكتشف أن التمثيل هنا يُقاس بالصمت أكثر مما يُقاس بالفعل.

المقعد الأول يشغله هشام الحيد، عن حزب الاستقلال. أربع أسئلة شفوية فقط خلال ولاية كاملة، اثنان في 2022 واثنان في 2023، ثم صمت طويل لا تقطعه حتى محاولة مجاملة شكلية في السنوات الأخيرة. أربع لحظات مساءلة مقابل ما يقارب 216 مليون سنتيم، وكأن دائرة كاملة لا تحتاج إلا إلى أربع جمل تحت قبة البرلمان.

المقعد الثاني لعبد الرحيم أوطاس، عن حزب التجمع الوطني للأحرار. سؤالان شفويان فقط، في مطلع الولاية، ثم انسحاب هادئ من واجهة الرقابة، كما لو أن المهمة انتهت باكرًا، أو كأن البرنوصي استيقظ فجأة على فائض في الخدمات والفرص. سؤالان مقابل 216 مليون سنتيم.. معادلة يصعب شرحها سياسيًا، لكنها مفهومة جيدًا في لغة الريع الصامت.

أما المقعد الثالث، فهو قصة مختلفة قليلًا.. أو ربما أكثر وضوحًا. أحمد بريجة، اسم يعمّر في البرلمان منذ ما يقارب عقدين، لكن حصيلته في هذه الولاية تحديدًا تساوي الصفر الكامل، لا سؤال شفوي واحد. صفرٌ مكتمل الأركان، صريح، لا يحتاج إلى تأويل أو تحليل. عضوية كلّفت ما يقارب 960 مليون سنتيم عبر سنوات الحضور الطويل، دون أن يترك الرجل في هذه الولاية أثرًا يُذكر داخل آلية المساءلة، الأداة الوحيدة تقريبًا التي يملك فيها النائب هامش حركة حقيقي.

المثير أن الأمر لا يبدو خطأً فرديًا، بل أسلوب عمل. النواب هنا لا يركضون نحو الأضواء، لا يرفعون الصوت، لا يثيرون الأسئلة. يتحركون بهدوء شديد، كما لو أنهم يمارسون وظيفة تتطلب الحد الأدنى من الحركة: توقيع حضور، رفع يد عند التصويت، صورة جماعية عند اللزوم… ثم انسحاب أنيق. برلمان بلا ضجيج، بلا إحراج للحكومة، بلا مفاجآت.

البرنوصي في الخارج عالم آخر تمامًا، ضجيج الحافلات، طوابير الباحثين عن فرص العمل، مدارس مكتظة، ووعود تتكرر كل موسم انتخابي. لكن تحت القبة، المشهد أكثر هدوءًا.. هدوء يشبه صالة انتظار طويلة، حيث لا يحدث شيء كبير، ولا يُطلب من أحد أن يفعل الشيئ الكثير.

هنا يتحول المقعد البرلماني من موقع للمساءلة إلى موقع للثبات؛ الأقدمية تُكافأ، الصمت لا يُعاقَب، والناخب يعود كل مرة ليجدد العقد نفسه، صوت مقابل حضور رمزي، وثقة مقابل تمثيل منخفض الصوت.

المفارقة أن البرنوصي لا تعاني من نقص في المشاكل، بل من فائض فيها؛ لكنها تعاني أيضًا من فائض آخر، فائض الصمت تحت القبة. ثلاثة مقاعد، مئات الملايين، وأسئلة يمكن عدّها على أصابع يد واحدة.. بينما بقية الأسئلة الحقيقية تُطرح في الشارع، في المقاهي، في الحافلات، في طوابير المستشفيات.

في النهاية، لا يبدو أن النواب وحدهم مسؤولون عن هذه اللوحة؛ فالصمت الذي يستمر لسنوات لا يعيش وحده؛ يحتاج دائمًا إلى من يتسامح معه، من يتعايش معه، من يعيد إنتاجه في كل استحقاق انتخابي. وهكذا تستمر اللعبة، ساكنة تبحث عن صوت يمثلها.. وبرلمانيون يتقنون فن البقاء بعيدًا عمّا يثقلها ويحرجها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى