هل تكفي المقاربة الأمنية لمواجهة الفيضانات أم نحتاج ثورة في حكامة الماء؟ ساري يجيب(حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر

لم تعد الفيضانات في المغرب مجرد أحداث استثنائية مرتبطة بعواصف عابرة، بل أضحت مؤشرا واضحا على تحولات مناخية عميقة تفرض مراجعة شاملة لسياسات تدبير الماء والتعمير.

فبعد سنوات من التركيز على خطاب الندرة والجفاف، وجد المغرب نفسه أمام موجات مطرية قوية كشفت هشاشة البنية التحتية وضعف الاستباق في التخطيط العمراني، خاصة في المناطق المعرضة للخطر.

وبينما أبانت التدخلات الميدانية عن قدرة مهمة على حماية الأرواح عبر الإجلاء والتعبئة الأمنية، فإن الأسئلة الكبرى اليوم تتجاوز لحظة الطوارئ لتلامس عمق النموذج التدبيري المعتمد.

ولمناقشة كل هذا قمنا بحوار مع رشيد ساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة.

إليكم نص الحوار:

بداية، كيف تقيمون تدبير المغرب لموضوع الموارد المائية ومخاطر الفيضانات في الظرفية الراهنة؟

الإشكال اليوم بنيوي قبل أن يكون ظرفيا. تدبير الماء في المغرب ما يزال موزعا بين عدة قطاعات ووزارات، وهو ما يخلق نوعا من التشتت في القرار الاستراتيجي.

سبق أن دعونا، داخل المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، إلى إحداث وكالة أو هيئة مستقلة تعنى بتدبير الماء والمخاطر المرتبطة به، حتى نضمن حكامة موحدة وفعالية أكبر في التعامل مع هذه المادة الحيوية، خصوصا في ظل التحولات المناخية المتسارعة.

تحدثتم عن اختلالات في قطاع التعمير، ما طبيعة هذه الاختلالات؟

خلال سنوات الجفاف المتتالية، ترسخت قناعة مفادها أن المغرب يعيش فقط إشكالية الندرة. هذا التصور انعكس على التخطيط العمراني، حيث لم تؤخذ سيناريوهات الفيضانات القوية بالجدية اللازمة.

اليوم نكتشف أن مناطق كانت تعتبر وديانا جافة أو غير خطرة أصبحت تشكل تهديدا حقيقيا، ما يفرض هندسة تعمير جديدة تدمج خرائط المخاطر بشكل إلزامي في وثائق التخطيط.

هل يعني ذلك أن الاستراتيجيات الوطنية الحالية لم تعد صالحة؟

ليست غير صالحة بالكامل، لكنها غير كافية. لا يمكن أن نستمر في تدبير الماء بمنطق الندرة فقط، في حين أن الواقع يفرض علينا التعامل أيضا مع فيضانات مدمرة.

المطلوب هو الانتقال من مقاربة رد الفعل إلى مقاربة استباقية، تستثمر في البنيات التحتية، وفي التقنيات الحديثة، وفي ترسانة قانونية صارمة تضبط مجال التعمير، وتمنع البناء في المناطق المهددة.

أشرتم كذلك إلى مسألة التعويضات وصندوق الكوارث الطبيعية، أين يكمن الخلل؟

المغرب يتوفر على صندوق الكوارث الطبيعية، لكن تفعيله لا يتم بالنجاعة المطلوبة.

بعد كل كارثة، ينبغي اعتبار المناطق المتضررة منكوبة بشكل فوري، وتفعيل مساطر التعويض تلقائيا، مع إشراك شركات التأمين والأبناك في تحمل مسؤولياتها. التأخر في التعويض يفاقم الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في العالم القروي.

كيف تقيمون تدبير فيضانات حوض اللوكوس الأخيرة؟

يمكن القول إن هناك نجاحا تكتيكيا واضحا على مستوى حماية الأرواح، خصوصا عبر الإجلاء الاستباقي لآلاف المواطنين، وهذا أمر يُحسب للسلطات.

لكن في المقابل، كشفت الأزمة عن اختلالات بنيوية عميقة، من بينها ضعف شبكات تصريف مياه الأمطار، والاختناقات الناتجة عن التوسع العمراني غير المخطط، النجاح الأمني واللوجستي لا يجب أن يحجب الحاجة إلى إصلاح جذري لمنظومة الوقاية.

 ما أبرز المخاطر المستقبلية التي تتوقعونها؟

التقلبات المناخية ستجعل المغرب عرضة لفيضانات متكررة مستقبلا، مع ما يرافق ذلك من كلفة اقتصادية واجتماعية ثقيلة.

إذا لم نتحرك الآن لتقوية الإطار القانوني، وتعزيز الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فقد نجد أنفسنا أمام تفاقم ظاهرة البناء في مناطق الخطر بدافع جشع العقار، وهو ما سيضاعف حجم الخسائر مستقبلا.

ما الذي تقترحونه كخارطة طريق عملية؟

نقترح إحداث هيئة وطنية موحدة للماء والمخاطر، وتفعيل صندوق وطني للأمن المائي لتمويل البنيات التحتية الوقائية، وفرض إلزامية إدماج خرائط المخاطر في وثائق التعمير، مع مساءلة كل من يمنح تراخيص في مناطق مهددة.

المطلوب اليوم هو تغيير جذري في العقيدة التدبيرية، والانتقال من منطق تدبير الأزمة إلى منطق الاستباق المؤسسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى