يومان من الإضراب يعطلان خدمات العدول.. والإصلاح القانوني يضع المهنة على صفيح ساخن

حسين العياشي
أعلنت الهيئة الوطنية للعدول خوض إضراب وطني يومي 18 و19 فبراير، ما يعني شلّ مختلف الخدمات المرتبطة بتحرير العقود العدلية، وذلك احتجاجًا على عدد من المقتضيات الواردة في مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بإصلاح وتنظيم المهنة. ورغم ما يتضمنه النص من عناصر تحديثية، يرى مهنيون في المجال القانوني أنه يحمل في طياته أيضًا تراجعات تمس جوهر الممارسة العدلية وتوازناتها. وفي وقت إعداد هذه المادة، ظل رئيس الهيئة خارج نطاق التواصل، على أن تتضح مآلات هذا الملف مع استمرار النقاشات والتطورات المرتقبة.
ويأتي مشروع القانون ضمن ورش إصلاحي واسع يهم المنظومة القانونية، بعد أن جرى اعتماده داخل لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، حيث يهدف إلى إعادة هيكلة مهنة ضاربة في التاريخ، وتكييفها تدريجيًا مع المعايير المعاصرة لمهن التوثيق، مع الحفاظ على خصوصيتها المرتبطة بالفقه الإسلامي وبنية القضاء الوطني. غير أن هذا المسار الإصلاحي فجّر تباينات واضحة داخل الجسم المهني، عكست فجوة بين التصور المؤسساتي للتحديث وتطلعات العدول بشأن موقعهم ودورهم المستقبلي.
ويرتكز المشروع على جملة من التحولات الهيكلية، في مقدمتها مراجعة شروط الولوج إلى المهنة وتعزيز التكوين الأساسي والمستمر، بما يرفع من الكفاءة التقنية والقانونية للممارسين. كما يضع التحول الرقمي في صلب الإصلاح، من خلال اعتماد آليات إلكترونية لتدبير العقود العدلية، بهدف تعزيز التتبع وضمان الأمن القانوني وتسريع وتيرة المعاملات، في انسجام مع توجه عام يهم رقمنة الإدارة والمهن القانونية والحد من مخاطر التزوير والتلاعب.
ويولي النص أهمية خاصة لإعادة ضبط الإطار التأديبي، عبر تشديد آليات المراقبة والعقوبات المهنية، بما يعزز أخلاقيات المهنة ومصداقيتها، في سياق يتسم بتصاعد النزاعات العقارية والحاجة إلى ترسيخ الثقة في منظومة التوثيق. غير أن هذه المقاربة، رغم ما تحمله من أهداف تنظيمية، قوبلت بتحفظات داخل الوسط المهني الذي اعتبرها ذات طابع زجري أكثر منه تأهيليًا.
وتتصاعد حدة التوتر داخل المهنة مع استمرار الاحتجاجات والإضرابات، التي انعكست على عدد من الخدمات الحيوية، خاصة توثيق عقود الزواج ومعاملات البيع العقاري. وتتمحور أبرز نقاط الخلاف حول أربعة ملفات رئيسية. أولها يتعلق بتدبير الودائع والأموال المرتبطة بالمعاملات، حيث يطالب العدول بحق التعامل المباشر مع أموال الزبناء وإيداعها في حسابات مهنية مؤمنة، على غرار الموثقين، بينما يبقي المشروع على قيود في هذا الجانب بدافع اعتبارات السلامة المالية والمسؤولية المدنية، وهو ما تعتبره المهنة تقليصًا من تنافسيتها.
أما النقطة الثانية فتهم مسطرة الخطاب القضائي على العقود، إذ يشترط النظام الحالي مصادقة القاضي على الوثيقة العدلية حتى تكتسب القوة التنفيذية. ويرى العدول أن توقيعهم يجب أن يكون كافيًا لإضفاء الحجية القانونية على العقود المدنية والتجارية، في حين تتمسك الجهات الرسمية بضرورة استمرار الرقابة القضائية، خاصة في المجالات الحساسة المرتبطة بقانون الأسرة.
ويبرز محور ثالث للخلاف في مسألة الولوج إلى المنصات الرقمية الإدارية، حيث يطالب العدول بإتاحة مباشرة وكاملة لأنظمة المحافظة العقارية والإدارة الضريبية، معتبرين أن القيود الحالية قد تحد من مشاركتهم في المعاملات العقارية الكبرى. كما ينتقدون طبيعة النظام التأديبي المقترح، الذي يرونه مفرطًا في الصرامة ولا يواكب حاجيات التأطير والتطوير المهني.
وتستمد هذه الإصلاحات أهميتها من المكانة المحورية التي تحتلها مهنة العدول في البناء القضائي المغربي. فهي مهنة تاريخية تمارس تحت إشراف وزارة العدل، وتضطلع بدور أساسي في توثيق معاملات الحياة المدنية والأسرية. ففي مجال الأسرة، يشكل العدل الفاعل الرئيسي في تحرير عقود الزواج والطلاق، إلى جانب تقديم الإرشاد القانوني للأطراف حول حقوقهم والتزاماتهم، وتنزيل مقتضيات مدونة الأسرة، خصوصًا في الجوانب المالية والتعاقدية المرتبطة بالحياة الزوجية.
ويمتد دور العدول إلى قضايا الإرث والمعاملات العقارية، عبر تحرير رسوم الإراثة والعقود المرتبطة بالأملاك، لاسيما غير المحفظة، ما يجعلهم ركيزة في حفظ الأمن التوثيقي. تاريخيًا، يمثل العدل حاملًا للثقة العامة في إطار الفقه الإسلامي، بوظيفة تقترب في جوهرها من وظيفة الموثق، وإن ظلت مؤطرة ضمن نظام قضائي خاص يفرض تعدد المتدخلين في مسار إنتاج الوثيقة القانونية.
ويجري العمل العدلي ضمن سلسلة إجرائية دقيقة، حيث يُحرَّر العقد عادة من طرف عدلين ضمانًا للحياد والشفافية، قبل عرضه على القاضي للمصادقة عليه، ثم تسجيله وأرشفته لدى الجهات القضائية المختصة. هذا البناء المؤسسي يعكس تداخلًا بين الوظيفة التوثيقية والرقابة القضائية، وهو ما يجعل أي تعديل تشريعي ذا أثر مباشر على توازنات المنظومة برمتها.
ولا يمكن فصل النقاش الدائر عن التحولات العميقة التي تعرفها المهنة خلال السنوات الأخيرة، ومنها فتح المجال أمام النساء لولوجها منذ سنة 2018، في خطوة أنهت احتكارًا تاريخيًا وساهمت في تنويع البنية المهنية. كما يسعى المشروع إلى إعادة تعريف دور العدل، من مجرد محرر للعقود إلى فاعل قانوني مؤهل بمهارات رقمية وقادر على مواكبة آليات التوثيق الحديثة.
وتعكس هذه الدينامية صراعًا أقدم بين تصورين: تصور مؤسساتي يركز على الضبط والتحديث في إطار الأمن القانوني، وتصور مهني يطالب بقدر أكبر من الاستقلالية والاعتراف، ويرى في العدل موثقًا في إطار الفقه الإسلامي ينبغي أن يتمتع بصلاحيات موازية للموثق العصري، خاصة في تدبير الأموال ومنح الحجية المباشرة للعقود.
ورغم أن اعتماد المشروع داخل اللجنة البرلمانية يمثل خطوة متقدمة في مساره التشريعي، فإن مضمونه يظل مفتوحًا على التعديل في ضوء النقاشات البرلمانية والحوار مع ممثلي المهنة. ويبقى التحدي الحقيقي في إيجاد صيغة توازن بين متطلبات التحديث، وضمان استقلالية الممارسة المهنية، والحفاظ في الآن ذاته على منظومة صارمة للأمن القانوني وصيانة حقوق المتعاملين.





