بنسعيد يراهن على القانون بدل التدبير الاستثنائي لإخراج الصحافة من حالة الانتقال

حسين العياشي

يتجه قطاع الصحافة والنشر بالمغرب نحو مرحلة مفصلية بعد إعلان الحكومة اعتماد مقاربة تشريعية شاملة لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مع التخلي نهائيا عن خيار إحداث لجنة مؤقتة لتسيير القطاع، في خطوة تعكس توجها واضحا نحو ترسيخ التنظيم الذاتي للمهنة داخل إطار قانوني دائم ومستقر.

وخلال ندوة صحافية عقدت اليوم الخميس بالرباط، أكد وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أن مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة سيكون جاهزا خلال شهر ماي المقبل، مشددا على أنه لا توجد أي ضرورة لإصدار مرسوم بقانون لإحداث لجنة انتقالية، ما دام المسار التشريعي يسير وفق جدول زمني محدد يضمن استمرارية المؤسسات دون اللجوء إلى حلول استثنائية.

وأوضح الوزير أن الحكومة اختارت الطريق المؤسساتي الطبيعي، عبر إعداد نص قانوني شامل يعيد هيكلة المجلس ويعزز استقلاليته ويضمن استمرارية أدائه لمهامه، في احترام لمقتضيات الدستور ومبادئ التنظيم الذاتي للمهن.

تعديلات قانونية استجابة لقرار المحكمة الدستورية

في سياق هذا المسار، صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بعد إدخال التعديلات التي أوصت بها المحكمة الدستورية، في خطوة تهدف إلى تقوية الأساس القانوني المؤطر للقطاع وضمان انسجامه مع الرقابة الدستورية.

وشملت المراجعة تعديلات جوهرية همّت تركيبة المجلس وآليات اشتغاله، من بينها حذف عضوين من فئة الناشرين الحكماء كانا منصوصا عليهما في المادة الخامسة، وإعادة صياغة المقتضيات المرتبطة بتمثيلية المنظمات المهنية، مع التنصيص على تخصيص مقعد واحد على الأقل للنساء داخل كل منظمة ممثلة في المجلس، بما يكرس مقاربة النوع ويعزز حضور المرأة داخل هيئات التنظيم الذاتي.

كما همّت التعديلات حذف الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة لملاءمتها مع الصياغة الجديدة للمادة الخامسة، إلى جانب إعادة صياغة المادة 49 مع الحفاظ على مبدأ التناسب في توزيع المقاعد، حيث سيعتمد النظام الانتخابي قاعدة تقوم على مطابقة نسبة الأصوات المحصل عليها مع نسبة المقاعد، بما يضمن تمثيلية تعكس الوزن الانتخابي الحقيقي داخل الجسم المهني ويعزز الشفافية.

وأكد بنسعيد أن المشروع سيحال على البرلمان خلال الدورة المقبلة، مع التعويل على نقاش سياسي ومهني موسع يفضي إلى إخراج نص توافقي يعزز التنظيم الذاتي للقطاع ويحصنه قانونيا، انسجاما مع التوجيهات الدستورية المرتبطة بحرية التعبير والتنظيم المهني.

استمرارية المجلس بدل إحداث لجنة مؤقتة

وبخصوص تدبير المرحلة الانتقالية، كشف الوزير أن نقاشا حكوميا دار حول إمكانية إحداث لجنة مؤقتة تضم قاضيا وممثلين عن مؤسسات دستورية وخبراء لتسيير القطاع، غير أن الحكومة حسمت في اعتماد مبدأ “استمرارية الإدارة”، معتبرة أن الفترة الفاصلة عن استكمال المسار التشريعي لا تتجاوز بضعة أشهر، وأن التدبير الإداري العادي كاف لضمان استمرار الخدمات المرتبطة بوضعية الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، وعلى رأسها منح بطائق الصحافة.

ويمثل هذا التوجه، بحسب المسؤول الحكومي، خيارا يرمي إلى تجنب إرباك المؤسسات المهنية أو إدخال القطاع في ترتيبات انتقالية قد تفرز تعقيدات قانونية أو تنظيمية إضافية.

دعم مالي لتعزيز استدامة المقاولات الإعلامية

على المستوى المالي، أعلن بنسعيد عن تخصيص غلاف مالي يقدر بـ240 مليون درهم لدعم قطاع الصحافة والنشر، بهدف تقوية النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية وتحسين ظروف اشتغال الصحافيين وتعزيز استدامة المؤسسات الإعلامية في ظل التحولات الرقمية والتحديات الاقتصادية المتزايدة.

وفي السياق ذاته، قررت الحكومة تمديد صرف أجور الصحافيين لثلاثة أشهر إضافية، لمنح المقاولات الصغرى والمتوسطة والجهوية مهلة كافية لتهيئة ملفاتها ومواكبة الشروط الجديدة المرتبطة بالدعم، وتفادي أي تسريحات محتملة داخل المؤسسات الإعلامية.

وشدد الوزير على أن المقاولات التي استعادت توازنها مطالبة بالوفاء بالتزاماتها المهنية والاجتماعية، باعتبار أن الصحافي يظل المستفيد النهائي من مختلف أشكال الدعم العمومي، داعيا في المقابل المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التكتل لتعزيز قدرتها على الاستمرارية ومواجهة التحديات البنيوية التي يعرفها المجال الإعلامي.

حقوق المؤلف… آلية جديدة لتعزيز دخل الصحافيين

في تطور نوعي، أعلن الوزير تفعيل آلية جديدة تتيح للصحافيين والمقاولات الصحافية الاستفادة من ميزانية مخصصة لحقوق الملكية الفكرية، حيث جرى رصد غلاف مالي يناهز ثلاثة ملايير سنتيم برسم الأشهر الأربعة الأخيرة، سيخصص لتعويض الصحافيين والمؤسسات تثمينا للمواد الصحافية المنتجة.

وسيتم توزيع هذه الميزانية وفق معايير محددة، إذ ستستفيد المقاولات الإعلامية من نسبة 30 في المائة من القيمة الإجمالية، مقابل 70 في المائة لفائدة الصحافيين كأفراد، باعتبار هذا التعويض حقا مستقلا عن الأجر الشهري ومرتبطا بملكية الإنتاج الصحافي.

وأكد بنسعيد أن الاستفادة ستظل مرتبطة بمدى تأثير المواد الصحافية وحجم الإقبال عليها وحضورها داخل المجتمع، بما يعني أن المقالات ذات الإشعاع الواسع ستنعكس مباشرة على الدخل المادي للصحافيين وتسهم في تحسين أوضاعهم الاجتماعية والمهنية.

ودعا الوزير مختلف الصحافيين والمقاولات الإعلامية إلى الإسراع بالانخراط في المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، باعتباره الشرط الأساسي لتفعيل هذه الحقوق وتسلم المستحقات المالية المترتبة عنها.

رؤية إصلاحية شاملة لتأهيل المشهد الإعلامي

تندرج هذه الإجراءات ضمن رؤية إصلاحية أشمل تروم تأهيل قطاع الصحافة وتحقيق توازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية وتعزيز استقلالية التنظيم الذاتي، بما يواكب التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الإعلامي المغربي.

ويراهن هذا التوجه الحكومي على الانتقال بالقطاع من وضعية الارتباك القانوني إلى نموذج مؤسساتي مستقر، يجعل من الصحافي فاعلا مركزيا في إنتاج المعرفة وصناعة النقاش العمومي، وشريكا أساسيا في مسار التنمية الديمقراطية، في ظل بيئة تشريعية ومهنية أكثر وضوحا واستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى