اكتشاف علمي بالمغرب يعيد رسم ملامح مفترسات البحار قبل انقراض الديناصورات

حسين العياشي

قبل ستة وستين مليون سنة، في اللحظات الأخيرة من العصر الطباشيري، كانت المحيطات تعجّ بمفترسات بحرية جبارة تحكم سيطرتها على سلاسل غذائية معقدة، قبل أن تطويها واحدة من أعنف الأزمات البيولوجية في تاريخ الأرض. واليوم، يعود المغرب ليكشف فصلاً جديداً من تلك الحقبة السحيقة، عبر اكتشاف علمي يعزز موقعه في قلب البحث الأحفوري العالمي.

فقد تمكّن فريق دولي من علماء المستحاثات، ضمّ باحثين من جامعة باث البريطانية، والمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بباريس، ومتحف التاريخ الطبيعي بمراكش، من تحديد نوع جديد من الزواحف البحرية المنقرضة ضمن ترسبات الفوسفات بحوض أولاد عبدون، غير بعيد عن الدار البيضاء. هذا النوع، الذي أُطلق عليه اسم Khinjaria acuta ووُصف علمياً في مجلة «كريتاشيوس ريسيرش» المتخصصة، يُعد واحداً من آخر المفترسات التي جابت البحار قبيل الانقراض الجماعي الذي أودى بالديناصورات غير الطيرية.

العظام التي عُثر عليها—وتشمل جزءاً من الجمجمة وعناصر متفرقة من الهيكل العظمي—بدت للوهلة الأولى مجرّد شظايا متناثرة في طبقات الفوسفات. غير أن التحليل الدقيق لخصائصها المورفولوجية كشف عن سمات لا تنتمي إلى أي نوع معروف سابقاً. فرغم طابعها الجزئي، وفّرت هذه البقايا ما يكفي من المؤشرات التشريحية لتأكيد أننا أمام فصيلة جديدة من الموزاصورات، تلك الزواحف البحرية العملاقة القريبة نسبياً من الورل المعاصر.

تميّز هذا الكائن بخطم قصير نسبياً، يقابله تسليح فكي استثنائي: أسنان طويلة، دقيقة، حادة على نحو لافت، شبّهها الباحثون بالخناجر. هذا التكوين السني لا يشي بمجرد مفترس عابر، بل يدل على نمط افتراس متخصص، يُرجّح أنه كان موجهاً نحو فرائس بحرية سريعة أو متوسطة الحجم. وبذلك، يُعتقد أن Khinjaria acuta كان يحتل مرتبة متقدمة في قمة الهرم الغذائي، ضمن نظام بيئي بحري أكثر تنوعاً وثراءً بكثير مما نعرفه اليوم.

في أواخر العصر الطباشيري، لم تكن الموزاصورات مجرد نوع واحد مهيمن، بل مجموعة متنوعة شهدت تفرعات تطورية دقيقة. ويشير الباحثون إلى أن الخصائص التشريحية لهذا النوع المكتشف حديثاً تعكس درجة متقدمة من التخصص البيئي قبيل الأزمة الكبرى التي غيّرت وجه الحياة على الكوكب. بعبارة أخرى، لم تكن تلك الكائنات في طور انحدار تدريجي، بل كانت تعيش مرحلة ازدهار وتنوع عندما باغتها الانقراض.

ويُعد حوض أولاد عبدون، الذي يُستغل صناعياً لاستخراج الفوسفات، أحد أهم المواقع الأحفورية عالمياً لفترة الطباشيري الأعلى. فمنذ عقود، كشفت طبقاته عن ثروة استثنائية من مستحاثات الفقاريات البحرية، شملت أسماك القرش، والسلاحف، والأسماك العظمية، وأنواعاً أخرى من الموزاصورات. ومع كل اكتشاف جديد، يتعزز التصور العلمي حول تعقيد الشبكات الغذائية القديمة، وحول المسارات التطورية التي سبقت واحدة من أكبر الكوارث البيئية في تاريخ الأرض.

إن أهمية هذا الاكتشاف لا تكمن فقط في إضافة اسم جديد إلى سجل الأنواع المنقرضة، بل في تعميق فهمنا لدينامية الحياة قبل الانقراض الجماعي، وفي إبراز القيمة العلمية للمواقع المغربية التي ما تزال تختزن أسراراً لم تُكشف بعد. فكل قطعة عظم تُنتشل من صخور الفوسفات ليست مجرد بقايا صامتة، بل شهادة على عالم مفقود، وعلى تحولات كبرى شكّلت مسار التنوع الحيوي كما نعرفه اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى