الساعة الصيفية بالمغرب.. حين يدفع الجسد ثمن تقديم العقارب

فاطمة الزهراء ايت ناصر

منذ تثبيت الساعة القانونية عند توقيت غرينتش +1، لم يعد النقاش حول الزمن في المغرب محصورا في الحسابات الاقتصادية أو مواءمة الشركاء الأوروبيين، بل امتد ليطال الإيقاع البيولوجي للمواطنين أنفسهم.

فحين تُقدَّم الساعة ستين دقيقة بشكل دائم، لا تتغير العقارب فقط، بل يتغير معها انسجام الجسد مع الضوء، والنوم، والاستيقاظ، وكل التفاصيل الدقيقة التي تضبط صحة الإنسان.

الأبحاث العلمية الدولية تشير إلى أن العيش في الجزء الغربي من المنطقة الزمنية، كما هو حال المغرب مع اعتماد GMT+1، يرتبط بفقدان متوسط يناهز 19 دقيقة من النوم يوميا.

قد تبدو دقائق قليلة، لكنها حين تتراكم تتحول إلى ساعات من الحرمان الشهري، مع ما يرافق ذلك من إرهاق مزمن واضطراب في التركيز وارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والسمنة.

هذا الخلل يُعرف بما يسمى التأخر الاجتماعي، أي الفجوة بين الساعة البيولوجية الطبيعية والساعة القانونية المفروضة.

وقد اعتبرت American Academy of Sleep Medicine أن التوقيت الصيفي الدائم لا يخدم الصحة العامة، موصية باعتماد التوقيت القياسي الطبيعي الأكثر انسجاما مع دورة الشمس.

فالجسم البشري مبرمج على الاستجابة للضوء الصباحي، إذ يلعب شروق الشمس دورا محوريا في ضبط إفراز هرمونات النوم واليقظة، وعندما يتأخر الشروق قانونيا، يُجبر الملايين على الاستيقاظ في الظلام، ما يربك هذا التوازن الدقيق.

الفئة الأكثر تأثرا هي الأطفال والمراهقون، فالدراسات أظهرت أن الانتقال إلى التوقيت الصيفي يؤدي إلى فقدان قد يصل إلى 32 دقيقة من النوم لدى المراهقين، مع تراجع في الانتباه والتحصيل الدراسي.

في السياق المغربي، حيث ينطلق كثير من التلاميذ إلى مدارسهم قبل الثامنة صباحا، يتحول الصباح الشتوي المظلم إلى ضغط يومي، خصوصا في المناطق القروية التي تتطلب تنقلا مبكرا لمسافات طويلة.

الأثر لا يتوقف عند حدود التعب أو النعاس، اضطراب النوم المزمن يرتبط بارتفاع ضغط الدم، وضعف المناعة، وزيادة القابلية للقلق والاكتئاب الموسمي.

كما أن انخفاض اليقظة في الساعات الأولى من الصباح قد ينعكس على السلامة الطرقية، وهو ما يستدعي قراءة دقيقة لمعطيات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية حول توقيت وقوع الحوادث ومدى ارتباطها بفترات الظلام.

ورغم أن أنصار الساعة الصيفية يستحضرون مكاسب التداخل الزمني مع أوروبا، فإن الكلفة الصحية تظل أقل ظهورا في الأرقام الرسمية، وأكثر حضورا في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال صعوبة في الاستيقاظ، صداع صباحي، تراجع في الإنتاجية، وإحساس عام بالإرهاق خلال أشهر الشتاء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى