الألعاب الإلكترونية: ترفيه أم إدمان ؟ لعلم النفس المعرفي السلوكي وجهة نظر

هدى الرويفي: صحافية متدربة
من وسيلة ترفيهية إلى أحد أخطر إدمانات العصر الحالي، يعتبر عالم الألعاب الإلكترونية عالما افتراضيا دخله الصغار والكبار، حتى تحول الأمر إلى إدمان، فهي سلاح دو حدين، وسيلة ترفيه تساهم في كسر روتين الحياة اليومية والتقليل من الضغط، غير أن الإفراط فيها ينقلب من متعة إلى ضرر، فكل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده.
قام مصممو الألعاب الإلكترونية بصنع بيئة ترفيهية تحاكي الواقع بأكبر قدر ممكن من التقنية، ليشكلوا للأطفال والشباب واقعا ترفيهيا افتراضي يقضون فيه الليل و النهار، إلى أن هذه البيئة أصبحت تشكل خطرا حقيقيا و ملموسا سواء على الصعيد النفسي المعرفي أو الاجتماعي. وفي ظل النقاش القائم حول حظر لعبتي “فري فاير” و “روبلوكس” في المغرب، عاد الاهتمام إلى موضوع خطر هذه الألعاب وما تشكله من آفات نفسية واجتماعية.
الإدمان على الألعاب الإلكترونية
في هذا الصدد، تم التواصل مع الأخصائية النفسية “ياسمين اليحياوي” بخصوص هذا الإشكال، والتي أفادت بأن علم النفس خصوصاً من المنظور المعرفي السلوكي يعرف إدمان الألعاب الإلكترونية كحالة من الانشغال الذهني القهري باللعبة وفقدان القدرة على تنظيم السلوك اتجاهها، بحيث تتحول من نشاط ترفيهي اختياري إلى محور أساسي في التفكير والانتباه والدافعية، فلا يصبح اللعب بالإرادة ، بل بالشعور بدافع داخلي قوي يصعب مقاومته، فتصبح اللعبة ذات “قيمة أولوية” داخل النظام الذهني، فتطغى على باقي الاهتمامات والأنشطة.
وعند سؤالها عن الفرق بين الاستخدام المكثف والإدمان المرضي، أكدت أنه يتجلى في السيطرة على السلوك، قد يلعب الطفل لساعات طويلة مع القدرة على التوقف عند الحاجة، دون أن تتعرض حياته الدراسية أو الاجتماعية إلى تأثر كبير، أما الإدمان المرضي، فيتجلى في عدم القدرة على التحكم في مدة اللعب والشعور بالتوتر أو الانزعاج عند المنع، حتى تصبح اللعبة أولوية على باقي الأنشطة اليومية.
يظهر الإدمان على الألعاب الإلكترونية بشكل تدريجي، ولا يعتمد أساسا على مدة اللعب بل على مدى سيطرة اللعبة على التفكير والسلوك، فالعلامة الحقيقية لا تكمن في عدد الساعات بل في تحول اللعبة إلى محور حياة الطفل أو المراهق اليومية، إذ ينشغل في أحداثها وإنجازاتها وشخصياتها حتى خارج وقت اللعب، ويجد صعوبة في التركيز على الدراسة أو المهام اليومية، كما تظهر تقلبات مزاجية واضحة، فيشعر بفرح مفرط أثناء اللعب مقابل الانزعاج أو التوتر عند المنع، وقد يعتمد الطفل على اللعبة كوسيلة للهروب من المشاعر السلبية مثل الملل أو القلق أو الإحباط، مع تراجع اهتمامه بالأنشطة التي كانت ممتعة في السابق، وفي بعض الحالات، قد يلجأ أيضا إلى الكذب وإخفاء مدة اللعب، إضافة إلى السهر المفرط واضطراب النوم، وإهمال الواجبات المدرسية والروتين اليومي، والانحسار الاجتماعي وضعف التفاعل مع الأسرة والأصدقاء، مع نوبات غضب عند محاولة التقليص من وقت اللعب.
عند استمرار هذه الأعراض، تؤثر بشكل واضح على حياته اليومية، ويصنف هذا السلوك كاضطراب معترف به علميا تحت اسم “اضطراب الألعاب الرقمية” وقد أدرج ضمن التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، وتشمل معاييره فقدان السيطرة على اللعب، وإعطاءه أولوية تفوق باقي الأنشطة الحياتية، والاستمرار فيه رغم عواقبه السلبية، إذن المعيار الحاسم ليست كثرة ساعات اللعب، بل أن تصبح اللعبة محور حياة الطفل أو المراهق بحيث تؤثر على مزاجه وسلوكه واهتماماته اليومية.
تأثير الألعاب على الأطفال والمراهقين
كما أضافت الأخصائية ل “‘إعلام تيفي” أن الدراسات تشير إلى أن التعرض المستمر للألعاب العنيفة قد يساهم في زيادة الميل إلى السلوك العدواني أو التوتر النفسي لدى بعض الأطفال والمراهقين، خاصة إذا كانوا يعانون من ضعف في ضبط الانفعالات أو نقص في المهارات الاجتماعية. كما أن بعض الألعاب قد تعزز مستويات القلق أو الإحباط، لكنها لا تعدد سببا مباشرا للاكتئاب، إذ يبقى التأثير معتمدا على عدة عوامل منها شخصية الطفل، بيئته الأسرية، وقدرته على التحكم في الوقت والمزاج، وبهذا يمكن القول أن الألعاب العنيفة ليست السبب الوحيد لمشاكل العدوان أو القلق أو الاكتئاب، ولكن يمكن أن تكون عاملا محفزا.
من جهة أخرى، يؤدي الإفراط في الألعاب الإلكترونية إلى قضاء الكثير من الوقت في عالم افتراضي الشيء الذي يقلل تدريجيا من مهارات التواصل الواقعي مثل فهم تعابير الوجه، نبرة الصوت، وإدراك مشاعر الآخرين، وهي مهارات أساسية للتفاعل الاجتماعي الفعّال، وقد ينتج عن هذا اعتماد أكبر على الرسائل النصية أو الرموز الافتراضية بدلاً من الحوار المباشر، الأمر الذي قد يضعف القدرة على حل النزاعات وبناء علاقات متينة في الحياة الواقعية.
لعبتي “فري فاير” و “روبلوكس”
أما بالنسبة لألعاب “فري فاير” و “روبلوكس”، أكدت المتحدثة اعتمادهم على تصاميم تجعلها ممتعة بشكل مستمر، فما يحفز الدماغ على العودة للعب تكرارا هو خاصية المكافآت السريعة، والأهداف الصغيرة القابلة للتحقيق والتحديات متجددة، وهذا ما يؤدي إلى ترسيخ عادة اللعب كوسيلة للشعور بالمتعة والإنجاز الفوري، مع ذكر خاصية المنافسة المستمرة بين اللاعبين و الترقيات التي تلعب دورا كبيرا في زيادة تعلق الطفل باللعبة ورغبته في تحسين مستواه دائما، وبالتالي زيادة احتمالية الإفراط في اللعب.
أشارت “ياسمين اليحياوي” إلى أن خاصية التواصل المفتوح في ألعاب “فري فاير” و “روبلوكس” قد تشكل مخاطر اجتماعية وأخلاقية على الأطفال والمراهقين، فالتفاعل مع أشخاص مجهولين دون رقابة مباشرة من الأسرة، يعرض الطفل لتجارب اجتماعية جديدة تفقده بسرعة التمييز بين السلوك الصحيح والخاطئ، أو بين الواقع والعالم الافتراضي، وهذا ما يعزز مشاعر القلق أو الانعزال في حال مواجهة سلوكيات عدوانية أو مضايقات من الآخرين في اللعبة، لذلك توجيه الطفل ومراقبة تواصله الافتراضي مهم جدا لتمكينه من استخدام هذه الألعاب دون أن تؤثر سلبياً على سلوكه أو قيمه.
فكرة الحظر في المغرب
و في إطار النقاش حول حظر “فري فاير” و “روبلوكس”، أكدت المتحدثة أن حظر الألعاب وحده غالباً ما يكون حلا سطحيا حيث أن الطفل أو المراهق قد يبحث عن بدائل أخرى قد تكون أحياناً أقل أمانا لتلبية الرغبة نفسها في اللعب أو التسلية، فالمنع المفاجئ يمكن أن يسبب آثار نفسية اعتمادا على شخصية الطفل ودرجة تعلقه باللعبة، كالتوتر النفسي، الانزعاج، شعور بالفراغ أو الملل وقد تصل حتى مقاومة صريحة للمنع مما يزيد صعوبة التحكم في السلوك لاحقاً، لذلك، يجب أن يكون الحظر مصحوباً بتوعية، وتنظيم الوقت، وتعليم مهارات التحكم في الانفعالات، ليتمكن الطفل من إعادة توازن استخدام الألعاب مع باقي الأنشطة الواقعية دون صراع نفسي كبير.
كما ترى “ياسمين اليحياوي” أن الحل الأنسب لتحقيق توازن صحي بين الترفيه الرقمي والحياة الواقعية لا يكمن في المنع الصارم فقط، بل في التوعية والمرافقة الأسرية التي تساهم في تعليمهم ضبط النفس وتنظيم الوقت بأنفسهم، وكدا تساعدهم على فهم أثر الإفراط في الألعاب على التركيز والدراسة والتواصل الاجتماعي، وتمنحهم أدوات معرفية لتنظيم سلوكهم.
ولتحقيق توازن صحي بين الترفيه الرقمي والحياة الواقعية، يمكن اعتماد مجموعة من الخطوات من بينها تحديد أوقات يومية للعب، التشجيع على الانخراط في الأنشطة الواقعية كالرياضة والهوايات الاجتماعية، كما يفضل اعتماد أسلوب المراقبة الهادئة بعيدا عن الصراع المباشر، مع العمل على تعزيز مهارات التفكير النقدي والوعي الذاتي، كما يمكن للأسرة فتح باب الحوار مع الطفل حول تجربة اللعب، للتأكد من أن التواصل داخل اللعبة آمن، مع مراعاة التدرج في المسؤولية الرقمية بدلاً من المنع المفاجئ.
مراقبة ذكية بدل المنع الصارم
في توجيهات هامة للأسر، أفادت الأخصائية النفسية أن أهم النصائح التي يمكن توجيهها تكمن في التوجيه الهادئ والمراقبة الذكية بدل المنع الصارم، وتشمل وضع برنامج لعب واضح و متفق عليه ومكافأة عند الالتزام بالقواعد بدل العقاب فقط، كما تنصح بالاهتمام بأنشطة أخرى واقعية موازية كالرياضة والهوايات الإبداعية، ومشاركة الأطفال أحياناً في اللعب لمتابعة تفاعلهم وسلوكهم داخلها، بالإضافة إلى تعليمهم التمييز بين الواقع والخيال، فكل هذه الخطوات تساهم في الحفاظ على الثقة والتفاهم بين الأسرة و الطفل، وتخفف من احتمالية الصراع المستمر حول وقت اللعب أو التحكم فيه، كما تعزز تدريجيا قدرة الطفل على ضبط نفسه وإدارة وقته بوعي.
بناء وعي رقمي لدى الطفل لا يقتصر على المراقبة فقط، بل تعليمه التفكير النقدي والتنظيم الذاتي في التعامل مع الألعاب والمحتوى الرقمي من خلال توضيح أثر الإفراط في الألعاب على التركيز والدراسة والصحة النفسية، تعليم الطفل مهارات إدارة الوقت، تشجيعه على اختيار الألعاب المناسبة لعمره، ومناقشة تجاربه ومشاعره أثناء اللعب، كما ينصح بوضع قواعد استخدام الألعاب بإشراك الطفل ليشعر بالمسؤولية والسيطرة على قراراته.
وأخيرا، تعد استشارة مختص نفسي خطوة ضرورية عند ظهور علامات واضحة على الإدمان مثل فقدان السيطرة على اللعب، الانسحاب الاجتماعي، التقلبات المزاجية الشديدة، ضعف التحصيل الدراسي، أو المقاومة الصارمة والرفض الشديد لأي محاولة للحد أو التقليص من مدة اللعب، فالتدخل المبكر يتيح وضع استراتيجيات دعم معرفية وسلوكية تمنع تفاقم المشكلة وتعزز قدرة الطفل على التوازن بين الحياة الرقمية و واقعه اليومي.





