الإفطار العلني في المغرب.. جدل ديني وقانوني واجتماعي بين قدسية الشعيرة وحرية المعتقد

فاطمة الزهراء ايت ناصر 

مع حلول شهر رمضان من كل عام، يتجدد النقاش في المغرب حول مسألة الإفطار العلني، في تقاطع معقد بين ما هو ديني وما هو اجتماعي وقانوني  فالصيام باعتباره ركنا من أركان الإسلام يشكل شعيرة مركزية في الوجدان الجماعي للمغاربة، وترتبط به قيم الاحترام المتبادل والالتزام العلني بمظاهر الشهر الفضيل داخل الفضاء العام.

بينما ينظر إلى المجاهرة بالإفطار من زاوية دينية باعتبارها مساسا بحرمة الشعيرة واستفزازا لمشاعر الصائمين، يرى آخرون أن التدين شأن فردي لا يقاس بالمظاهر، وأن الإيمان الحقيقي يرتبط بالقناعة الشخصية لا بالإكراه الاجتماعي.

في المقابل، يطرح الإطار القانوني إشكالات لا تقل تعقيدا، إذ ينص القانون الجنائي، وخصوصا الفصل 222، على تجريم الإفطار العلني بالنسبة لمن عرف باعتناقه الإسلام، في حين يؤكد الدستور المغربي في الوقت ذاته على حرية المعتقد، كما أن المغرب صادق على مواثيق دولية تكفل هذه الحرية.

حرمة الصيام بين قدسية الشعيرة ومجاهرة المعصية

في هذا السياق، شدد الدكتور ادريس الخرشافي  أستاذ الحديث النبوي والسيرة النبوية بجامعتي القرويين وسيدي محمد بن عبد الله بفاس على حرمة الصيام وأهمية الالتزام به، مؤكدا أن أي إفطار علني أو مقاطعة للعبادة يعد تجاوزا لحدود الله ويجاهر بالمعصية.

في تصريح لـ “إعلام تيفي” قال الدكتور الخرشافي إن الصيام ركن من أركان الإسلام، لا يجوز التخلي عنه إلا لعذر شرعي، مثل السفر، أو المرض، أو الحيض، أو النفاس، أو الرضاعة، وهي الأعذار التي فصل فيها الفقهاء استنادا إلى آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ، مضيفا أن الإفطار لمجرد الهوى أو التحدي أو التشهي، فهذا عمل يجرمه الشرع ويعد مجاهرة بالمعصية، والتي يجب معاقبة من يمارسها إذا جاهر بها بين الناس.

أما من يفطر لمجرد التشهي أو التحدي أو الهوى، فأوضح الدكتور الخرشافي أن هذا عمل يجرمه الشرع، والذين يجاهرون به بين الناس يعدون مجاهرين بالمعصية، ومن يعمل المعصية ويستخفي أمره إلى ربه، أما من يجاهر بها علناً فيجب تأديبه وعقابه فقهاً وعملا.

وأوضح الخرشافي أن القرآن يأمر المسلمين بالالتزام بالشعائر وعدم التعدي على حدود الله، مستشهدا بأيات قرآنية: “كُتِبَ عليكم الصيام كما كُتِبَ على الذين من قبلكم”( الاية 183- سورة البقرة)، و”ومن يُعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب” (الاية 32- سورة الحج)، مؤكدا أن المتنطعين الذين يجاهرون بالفطر أو يتحدون شعائر الدين يتحملون وزر أفعالهم، كما يتحمل وزر من يقلدهم ويعمل مثلهم.

وأشار الدكتور الخرشافي إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب خطوات واضحة تبدأ بالتوعية والنصح والإرشاد، وإظهار الضلال الذي يقع فيه المخالفون، وإذا لم يمتثلوا، تأتي مرحلة العقاب والتأديب الشرعي، مضيفا أنه لا يجوز التهاون في حدود الله، ولا يعتدى عليها أو يهزأ بها، وقد كان الناس في السابق يعاقبون علنا من يجاهر بالمعصية، والأمر ليس مجرد اختيار بين صوم أو عدم صوم.

وأكد الخرشافي أن وظيفة العلماء والمجالس العلمية ومندوبيات الأوقاف هي التوجيه، والوعظ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مشيرا إلى أن أي تقصير في هذه المسؤوليات يؤدي إلى تقصير في حماية المجتمع والامتثال الديني.

وقال: “على كل مسلم أن يحترم عبادات الآخرين، فلا يجوز لأي شخص أن يجاهر بالإفطار أو ترك الصلاة علناً، فالذين يمارسون هذه الأفعال مجرمون شرعاً ومتعدون لحدود الله”.

الإفطار العلني بين الشرع والقانون

في السنوات الأخيرة، شهد النقاش العمومي تصعيدا بين التيارات الأصولية والحداثية حول ما إذا كان يجب مساءلة من يفطر علنا أثناء الصيام، وما إذا كان القانون الجنائي يطبق على جميع من يعرف عنهم الإسلام بغض النظر عن مدى التزامهم الديني.

في هذا السياق، يقدم الباحث في القانون العام بلال الميراوي قراءة متأنية لهذه الظاهرة، مبرزا الأبعاد القانونية والأيديولوجية المتشابكة حول هذا الموضوع الحساس.

وقال الباحث إن النقاش العمومي حول الإفطار العلني خلال شهر رمضان ليس نقاشا قانونيا بقدر ما هو نقاش أيديولوجي، مشيرا إلى أن القانون الجنائي المغربي يجرم بصفة قطعية الإفطار العلني على كل من يعرف إسلامه.

وأضاف الميراوي لـ“إعلام تيفي” أن هناك خللا في هذا التصنيف القانوني، حيث تثار تساؤلات مهمة؛ كهل يعتبر كل من ولد في عائلة مسلمة وترعرع في بيئة مسلمة مسلماً فعلياً؟ أم أن المسلم الحقيقي هو الذي يلتزم بتعاليم الدين الإسلامي؟ وتابع قائلا إن من يفطر علنا خلال رمضان قد يتعرض للمساءلة القانونية، وهو أمر يفتح باب النقاش حول تعريف الدين والتزاماته في القانون.

وأشار إلى أن المغرب، وفق الوثيقة الدستورية، دولة إسلامية، لكنه في نفس الوقت يقر حرية المعتقد،كما أن المملكة مصادقة على العديد من المواثيق الدولية التي تكفل حماية حرية المعتقد، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، وإعلان القضاء على التعصب الديني.

وأوضح المتحدث أن مصادرة حق الإنسان في ممارسة ما يؤمن به دون الإضرار بالآخرين، حتى ولو تعلق الأمر بالإفطار العلني، يمثل إجحافا كبيرا لفئة عريضة من المجتمع.

وأضاف أن الفصل 222 من القانون الجنائي غالبا ما يستخدم كأداة للضبط المجتمعي، وهو ما يتعارض مع الأعراف والمواثيق الدولية، ويحول شهر رمضان إلى آخر خندق تستغله الأصولية لتصفية حساباتها مع التيارات الحداثية والتنويرية.

وختم الميراوي بالقول إن هذه القضية تبرز التوتر بين الالتزام الديني وحرية المعتقد، داعيا إلى إعادة النظر في تطبيق القانون بما يحترم التنوع الديني ويوازن بين الشرع والحقوق الفردية للمواطنين.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى