حين يتحول الضباب إلى ستار.. جدل مسؤولية وحدات “OCP” عن الغازات الخانقة بآسفي

حسين العياشي
في ليالي رمضان، حين تخفت الأصوات وتعلو همسات الدعاء، لم تعد آسفي تنعم بالسكون الذي اعتاده أهلها؛ فمنذ الساعات الأولى للمساء، طغت انبعاثات الغازات الصادرة عن وحدات المجمع الشريف للفوسفاط على الأجواء، وفق ما يؤكده سكان الأحياء المجاورة، فغطّى المدينة ضباب كثيف مشوب بروائح خانقة تسلّل إلى الأزقة والمساجد، وحوّل أجواء الطمأنينة التي ترافق صلاة التراويح إلى قلق جماعي مكتوم. الهواء الذي يفترض أن ينعش الصدور بدا مثقلاً، يضغط على الأنفاس ويترك في الحلق حرقة لا تخطئها الحواس، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.
شهادات السكان تكاد تتطابق في تفاصيلها؛ ضباب غير مألوف الكثافة، ورائحة نفّاذة تزداد حدتها مع حلول الليل، وصعوبات في التنفس دفعت ببعض المصلين إلى مغادرة المساجد قبل إتمام الصلاة، فيما آثر آخرون أداءها في بيوتهم اتقاءً لأي مضاعفات صحية. حالات اختناق متفاوتة، وفق مصادر محلية لـ”إعلام تيفي”، استدعت نقل عدد من الأشخاص إلى قسم المستعجلات لتلقي الإسعافات الضرورية. أحد المصلين وصف الرائحة بأنها “أقوى من أن تُحتمل”، مؤكداً أنه لم يتمكن من إكمال صلاته بسبب ضيق مفاجئ في التنفس.
وتذهب روايات المصادر المحلية إلى أن وحدات المجمع تستغل فترات ارتفاع كثافة الضباب لإطلاق كميات أكبر من الانبعاثات، مستفيدة من الغطاء الطبيعي الذي يحدّ من وضوحها وانتشارها البصري، وهو ما يفسّر، بحسب السكان، التلازم المتكرر بين الضباب الكثيف وتصاعد الروائح الخانقة في التوقيت نفسه. هذا المعطى، الذي يتكرر في شهادات متفرقة، يعزّز الشكوك حول نمط زمني لإطلاق الانبعاثات يتزامن مع ظروف مناخية معيّنة، في غياب معطيات رسمية تفصيلية تؤكد أو تنفي ذلك بشكل قاطع.
في قلب النقاش يقف المجمع الشريف للفوسفاط، بوصفه الفاعل الصناعي الأكبر في المدينة والأكثر حضوراً في محيطها الاقتصادي والبيئي. المفارقة التي تثير تساؤلات الساكنة أن المؤسسة نفسها تُقدَّم وطنياً ودولياً باعتبارها رائداً في التحول الطاقي والصناعة النظيفة، وتتبنى استراتيجيات معلنة لخفض البصمة الكربونية والاعتماد على الطاقات المتجددة. غير أن ما يعيشه بعض سكان الأحياء المجاورة يعيد طرح سؤال جوهري حول مدى انعكاس هذه الالتزامات على تفاصيل حياتهم اليومية.
المسألة هنا لا تُختزل في جدل بين التنمية والبيئة، ولا تُطرح بمنطق المناكفة؛ فالسكان لا يطالبون بتعطيل عجلة الإنتاج ولا ينكرون الدور الاقتصادي للصناعة في مدينة ارتبط تاريخها بالفوسفاط، لكنهم يتمسكون بحقهم البديهي في هواء نقي، وبحقهم في معطيات علمية شفافة تشرح طبيعة الانبعاثات وتأثيرها المحتمل على الصحة العامة. التنمية، في معناها العميق، لا تُقاس بحجم الاستثمارات ولا بعدد المشاريع المعلنة، بل بقدرتها على حماية الإنسان وضمان بيئة سليمة له.
ما يحدث في آسفي يضع الثقة على المحك؛ في غياب تواصل مؤسسي واضح ومقنع، يتسع هامش الشك، ويتحوّل كل ضباب عابر إلى مصدر قلق مشروع. وبين استراتيجية طاقية نظيفة مُعلنة وواقع يصفه السكان بالخانق، يبقى التحدي الحقيقي هو أن تتطابق الشعارات مع الممارسة، وأن تتحول آسفي إلى نموذج لتنمية متوازنة تضع صحة الإنسان في صلب أولوياتها، لا إلى عنوان متكرر لسؤال بسيط وعميق في آن واحد: من يحمي حق الناس في التنفس؟





