تقليص الآجال ومنع البيع لخمس سنوات.. تفاصيل هندسة جديدة لنزع الملكية

حسين العياشي
تتجه الحكومة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، عبر مشروع قانون أعدته وزارة التجهيز والماء، في خطوة تروم إعادة ضبط العلاقة الدقيقة بين متطلبات التنمية وضمانات حماية حق الملكية، أحد الحقوق الدستورية الأساسية. ويأتي هذا الورش التشريعي في سياق اتساع الحاجة إلى الوعاء العقاري لتنفيذ المشاريع الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، وما كشفه التطبيق العملي للنص الحالي من اختلالات مسطرية وقانونية أثرت على آجال التنفيذ وآليات التعويض وأضعفت التوازن بين المصلحة العامة والحقوق الفردية.
وقد فتحت الأمانة العامة للحكومة باب التعليق العمومي بشأن مضامين المشروع، الذي يقترح جملة من التعديلات الجوهرية، في مقدمتها تقليص الأجل الفاصل بين مقرر إعلان المنفعة العامة ومقرر التخلي إلى سنة واحدة بدل سنتين، مع حصر إمكانية تجديد الإعلان في خمس مرات كحد أقصى، واعتماد النشر الإلكتروني في عدد من الإجراءات المرتبطة بمسطرة نزع الملكية، بما يعزز الشفافية ويسرّع المساطر الإدارية.
ويستهدف المشروع، في جانب منه، الحد من المضاربات العقارية التي تعقب إعلان المنفعة العامة، إذ ينص على منع الجماعات الترابية من تسليم رخص البناء أو الترميم أو الإصلاح للعقارات الواقعة داخل نطاق المرسوم المعلن للمنفعة العامة، إلا بعد موافقة صريحة من الجهة نازعة الملكية. كما يقترح تقليص الأجل الممنوح لرفع دعوى نقل الملكية من سنتين إلى سنة واحدة ابتداء من تاريخ نشر مقرر التخلي بالجريدة الرسمية أو تبليغه، مع تمكين الإدارة، في المشاريع ذات الطابع الاستعجالي، من حيازة العقار بمجرد نشر مقرر نزع الملكية، وفق إجراءات محددة ومؤطرة.
ويؤكد المشروع أن تنفيذ أمر الحيازة يتم على الأصل، مع إفراغ العقار مباشرة بعد أداء التعويض المحدد من طرف اللجنة الإدارية للخبرة أو إيداعه لدى صندوق الإيداع والتدبير، في محاولة لتسريع وتيرة إنجاز المشاريع وتقليص النزاعات المرتبطة بالتنفيذ.
وفي ما يتعلق بالتعويضات، يضع النص قواعد موضوعية جديدة تقوم على مبدأ التعويض المناسب والعادل، مع إعداد دليل مرجعي لأثمنة العقارات والحقوق العينية يتم تحيينه سنوياً ونشره بالجريدة الرسمية، بما يحد من التقديرات التقديرية المتباينة. كما يقترح إحداث لجنة إدارية للخبرة تتولى تحديد قيمة العقارات والحقوق العينية المشمولة بنزع الملكية، على أن يحدد نص تنظيمي تركيبتها وكيفية اشتغالها، مع إلزامها بالاستناد إلى الدليل المرجعي عند تقدير التعويضات.
وفي مقابل هذه الصلاحيات الممنوحة للإدارة، يعزز المشروع الضمانات القانونية لفائدة المنزوعة ملكياتهم، إذ يلزم المتعرضين، خلال أجل ثلاثة أشهر من نهاية البحث الإداري، برفع دعوى الاستحقاق أمام المحكمة المختصة لإثبات حقوقهم، حماية لذوي الحقوق من التعرضات الكيدية التي تعطل مسطرة التعويض. كما يقترح تقليص مدة التعليق الخاصة بتلقي التعرضات من ستة أشهر إلى ثلاثة في الحالات التي لا يُدلَى فيها بوثائق الملكية أو تكون غير كافية، لتسريع صرف التعويضات.
ويتيح النص كذلك إمكانية التشطيب، بأمر من قاضي المستعجلات وبطلب من ذوي الحقوق، على مشروع المقرر المعلن للأملاك المشمولة بنزع الملكية من السجلات العقارية، بما يتيح للمالكين استعادة حق التصرف في ممتلكاتهم. وفي حال التراجع عن مسطرة نزع الملكية بعد صدور حكم قضائي بنقلها، لا يجوز للإدارة العدول إلا بمقتضى حكم قضائي ومقرر صريح بالتراجع الكلي أو الجزئي، مع اتخاذ نفس تدابير الإشهار المعتمدة في المسطرة الأصلية.
ومن بين القيود الجديدة، يمنع المشروع نازع الملكية من بيع العقارات أو الحقوق العينية المقتناة عبر هذه المسطرة قبل مرور خمس سنوات على نشر مقرر التخلي بالجريدة الرسمية، إلا عبر مسطرة المنافسة، مع منح المالكين السابقين حق استرجاع عقاراتهم داخل الأجل نفسه بثمنها الأصلي، شريطة أداء المبلغ خلال ستة أشهر من تاريخ تبليغهم.
كما يتضمن المشروع مقتضيات خاصة بالاحتلال المؤقت، تلزم الإدارة بإجراء جرد لمحتويات العقار عند بداية العملية وتقييم الأضرار عند نهايتها، مع تبليغ النتائج للمالك أو الشاغل، فضلاً عن فرض سلوك مسطرة نزع الملكية إذا أصبحت الأراضي المحتلة غير صالحة للاستعمال أو تجاوزت مدة الاحتلال خمس سنوات.
وتشير المذكرة التقديمية إلى أن مراجعة القانون جاءت استجابة للثغرات التي أبان عنها التطبيق العملي، خاصة في ظل المشاريع الكبرى التي تتطلب أوعية عقارية تفوق ما تتوفر عليه الدولة من أملاك خاصة، فضلاً عن الصعوبات المرتبطة باحترام الآجال القانونية وتأخر صرف التعويضات وغياب معايير دقيقة وموحدة لتحديد قيمتها. كما تسجل الوثيقة أن الضمانات الحالية، في صيغتها الراهنة، لم تعد كافية لتحقيق التوازن المطلوب، إذ تميل أحياناً لصالح الإدارة على حساب حقوق المالكين.
ويستند المشروع في فلسفته العامة إلى مقتضيات الفصل 35 من دستور 2011، الذي يكفل حق الملكية ويجيز تقييده فقط بمقتضى القانون ولضرورات المنفعة العامة، مقابل تعويض مناسب، انسجاماً أيضاً مع المادة 23 من مدونة الحقوق العينية. وبهذا يسعى النص إلى إعادة صياغة معادلة دقيقة: تمكين الدولة من إنجاز مشاريعها الاستراتيجية بكفاءة وسرعة، مع تعزيز حماية الملكية الخاصة وترسيخ مبادئ دولة الحق والقانون.





