العمل الموسمي خلال رمضان.. مؤشر على حيوية السوق أم نتيجة لضعف فرص الشغل القار؟

أميمة حدري

مع حلول شهر رمضان، تتبدل ملامح الأسواق الشعبية والساحات العمومية والأرصفة في المدن المغربية، حيث تنتعش أنشطة موسمية ترتبط خصوصا بالمواد الغذائية التي تحضر بقوة على موائد الإفطار.

وتتحول هذه الفضاءات إلى ورش مفتوح للعمل المؤقت، يستقطب فئات واسعة من الشباب والنساء، بل وحتى بعض من يغيرون نشاطهم المهني خلال هذا الشهر، بحثا عن دخل إضافي في سياق يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد وتيرة الاستهلاك.

وتحضر المهن المرتبطة بالغذاء في صدارة هذه الأنشطة، من محلات بيع الحلويات التقليدية كالشباكية والبريوات، إلى إعداد الفطائر بأنواعها مثل المسمن والبغرير والملاوي، مرورا بعربات التمور والعصائر، خاصة عصير الليمون والرايب، ومنتجات أخرى يكثر الإقبال عليها خلال الشهر الفضيل.

الرزق مقسوم

وعند مدخل باب البويبة بمدينة الرباط، تجلس سيدة أربعينية أمام عربة صغيرة تصطف فوقها فطائر أعدتها في بيتها منذ الصباح الباكر. ترتب “المسمن” و”البغرير” و”رزة القاضي” بعناية، وتغطيها بأغلفة بلاستيكية مخصصة لحفظ المواد الغذائية حفاظا على دفئها، في انتظار زبائن يتوافدون تباعا قبيل موعد الإفطار.

وتقول، في حديث مع “إعلام تيفي“، إنها تستيقظ باكرا لإعداد ما ستعرضه للبيع، قبل أن تتوجه إلى مكانها المعتاد وكلها أمل في أن يكون يومها أفضل من سابقه، مستدركة بأن الرزق “مقسوم”، فبعض الأيام تنفد الكمية كاملة، وأيام أخرى لا تبيع سوى النصف.

وتضيف أن عددا من زبنائها اعتادوا اقتناء منتجاتها منذ سنوات، وبعضهم يبادر إلى دفع مبلغ يفوق الثمن المحدد، بدافع روح التكافل التي تميز الشهر الفضيل. غير أن أجواء العمل لا تخلو من منافسة قوية بين الباعة، إذ تتبادل النساء أطراف الحديث حول حجم المبيعات، بينما تحاول كل واحدة استمالة الزبائن إما عبر إبراز جودة المنتوج، أو تخفيض السعر، أو التأكيد على الطراوة وحسن المعاملة.

ولا تقتصر هذه الأنشطة على النساء، بل يقبل عدد من الشباب على بيع التمور بمختلف أنواعها، والحلويات والعصائر وإعداد ورق البسطيلة. غير أن هذا الحراك يطرح، في المقابل، تساؤلات حول طبيعته وحدوده، ومدى قدرته على أن يشكل بديلا حقيقيا للإدماج المهني المستدام.

مشاريع صغرى مؤطرة

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي رشيد ساري أن هذه الأنشطة تظل مرتبطة زمنيا بشهر رمضان وبمناسبات دينية أخرى كعيد الفطر وعيد الأضحى، ما يجعلها غير قابلة لأن تبنى عليها قاعدة اقتصادية مستقرة.

وأوضح، في تصريح لـ”إعلام تيفي”، أن اشتغال الشباب في هذا الإطار يندرج ضمن ما وصفه بالأنشطة الترقيعية التابعة للقطاع غير المهيكل، باعتبارها أنشطة غير مؤسساتية ومحدودة زمنيا.

واعتبر ساري أن هذه المهن الموسمية تبقى “معاشية” بطبيعتها، تؤمن دخلا ظرفيا دون أن توفر استقرارا مهنيا، بل قد تندرج أحيانا ضمن مظاهر الفوضى التجارية، لما تسببه من منافسة لأصحاب المحلات المنظمة، فضلا عن ما قد ينجم عنها من إزعاج للساكنة في بعض الشوارع، ومن إشكالات مرتبطة بجودة بعض المنتجات المعروضة.

ويرى رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن هذا النمط من العمل يقترب من مفهوم البطالة المقنعة، إذ لا ينعكس بالضرورة في الإحصائيات الرسمية لكونه نشاطا غير مهيكل ومحدود الأمد، معتبرا أنه يطرح تحديا حقيقيا أمام السياسات العمومية الرامية إلى خفض معدلات البطالة بشكل مستدام.

وفي المقابل، دعا إلى التفكير في صيغ عملية لتحويل هذه المبادرات الفردية إلى مشاريع صغرى مؤطرة، من خلال تمكين أصحابها من محلات ملائمة وتأطير إداري ومواكبة ميدانية، إلى جانب إنجاز بحوث ميدانية لرصد طبيعة المنتجات المتداولة وحاجيات السوق، بما يسمح بإدماج تدريجي لهذه الفئات في الدورة الاقتصادية المنظمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى