رمضان بين الوفرة والهدر: أرقام تكشف كلفة المائدة الزائدة في المغرب

بشرى عطوشي

يحل شهر رمضان فتتبدل عادات الاستهلاك داخل البيوت المغربية، وتزداد المشتريات وتتسع الموائد بما يفوق الحاجة الفعلية للأسرة. غير أن هذا الثراء الغذائي يخفي رقماً صادماً: جزء معتبر من هذه الأطعمة ينتهي في سلة المهملات بعد ساعات من إعدادها.

تشير تقديرات حديثة إلى أن المغرب يهدر سنوياً ما يقارب 4.2 مليون طن من الطعام، أي بمعدل يفوق 100 كلغ للفرد سنوياً. ورغم أن هذا الرقم يشمل السنة كلها، إلا أن شهر رمضان يُسجّل ذروة في الاستهلاك وبالتالي في الهدر. بعض الدراسات الاجتماعية تقدر أن نحو 40% من الأسر المغربية تعترف بهدر جزء من الطعام المُعد خلال رمضان.

الكلفة المالية لكل أسرة

إذا ترجمنا الهدر إلى لغة الأرقام اليومية، فإن أسرة متوسطة من 4 إلى 5 أفراد قد تنفق خلال رمضان ما بين 2500 و4000 درهم على المواد الغذائية. وتشير تقديرات تقريبية إلى أن ما بين 10% و20% من هذا الإنفاق يُهدر فعلياً بسبب فائض التحضير وسوء التخزين.

هذا يعني أن الأسرة قد تخسر ما بين 300 إلى 800 درهم خلال شهر واحد فقط، وإذا استمر نفس النمط طيلة السنة، فقد يصل مجموع الهدر إلى 3000 أو 4000 درهم سنوياً، وهو مبلغ كفيل بتغطية مصاريف مدرسية أو فواتير شهرية مهمة.

لماذا يرتفع الهدر في رمضان؟

السبب لا يرتبط فقط بوفرة الطعام، بل بثقافة “المائدة العامرة” التي تُقاس فيها الكرامة الاجتماعية بكمية الأطباق لا بمدى استهلاكها. كما أن التسوق أثناء الجوع، والعروض الترويجية المكثفة، والرغبة في التنويع اليومي، كلها عوامل تدفع إلى اقتناء كميات تفوق الحاجة الفعلية.

المفارقة الأخلاقية والاجتماعية

في بلد لا تزال فيه فئات واسعة تعاني من هشاشة اقتصادية، يصبح رمي الطعام مشهداً متناقضاً مع روح رمضان القائمة على الصبر والتكافل. فالمبلغ الذي يُهدر في بيت واحد يمكن أن يؤمّن قفة غذائية كاملة لأسرة معوزة.

رمضان ليس موسم استعراض غذائي، بل فرصة لإعادة ترتيب علاقتنا بالاستهلاك. التخطيط المسبق للوجبات، تقدير الكميات بدقة، إعادة توظيف بقايا الطعام، أو التبرع بالفائض، كلها خطوات بسيطة يمكن أن تقلّص الهدر بشكل كبير.

المائدة العامرة حقاً ليست تلك التي تمتلئ بالأصناف، بل التي تُحسن تدبير النعمة وتحفظها من الضياع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى