الرباط تحصد ثمرة تحوّل أوروبي جديد في ملف الصحراء المغربية

حسين العياشي

في لحظة دبلوماسية محمّلة بالرسائل السياسية الواضحة، استقبل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، يوم الأحد بالرباط، نظيرته الفنلندية إلينا فالتونين، في زيارة هي الأولى لها إلى المغرب، لكنها تحمل دلالات تتجاوز طابعها البروتوكولي نحو تثبيت تحوّل نوعي في مسار العلاقات بين الرباط وهلسنكي.

اللقاء جاء في سياق دولي وإقليمي دقيق، غير أن عنوانه الأبرز كان تثمين التقارب السياسي الذي تعزّز خلال العامين الأخيرين، خاصة منذ إعلان فنلندا دعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدّم به المغرب كحل للنزاع حول الصحراء المغربية. ذلك الموقف، الذي وصفته هلسنكي مجدداً بأنه “جدي وذو مصداقية”، لم يعد مجرد إعلان سياسي، بل أصبح قاعدة صلبة لإعادة بناء العلاقة الثنائية على أسس أوضح وأكثر انسجاماً.

في البيان المشترك الصادر عقب المباحثات، جدّدت فنلندا تأكيد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية واقعية للتوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه في إطار الأمم المتحدة. كما أشاد الطرفان باعتماد القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن، مع التأكيد على دعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي الرامية إلى الدفع بالمسار السياسي قدماً. هذا التلاقي في الرؤية يعكس، في العمق، تقاطعاً في المقاربات تجاه ملف ظل لعقود محوراً للتجاذب الدبلوماسي.

وخلال الندوة الصحافية التي أعقبت اللقاء، توقف بوريطة عند التحول الذي شهدته العلاقات منذ زيارته إلى فنلندا سنة 2024، معتبراً أن الموقف الفنلندي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية شكّل نقطة انعطاف حقيقية. وفي إشارة ذات بعد استراتيجي، أعلن دعم المغرب لترشح فنلندا لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن، مستحضراً دورها في مسار القرارات الأممية ذات الصلة، من بينها القرار 2729، بما يعكس توجهاً نحو تبادل الدعم داخل المؤسسات متعددة الأطراف.

لكن التقارب لم يظل حبيس الإطار السياسي. فبحسب المعطيات المقدّمة، تعرف العلاقات الاقتصادية بدورها منحى تصاعدياً لافتاً. أربعون شركة فنلندية تنشط حالياً في المغرب في قطاعات متعددة، مستفيدة من مناخ استثماري يزداد جاذبية، ومن رغبة مشتركة في توسيع آفاق التعاون. والأرقام تعكس هذا المنحى بوضوح: إذ سجّلت المبادلات التجارية بين البلدين ارتفاعاً بنسبة 72 في المائة ما بين 2024 و2025، في مؤشر على انتقال العلاقة من مستوى المجاملات الدبلوماسية إلى شراكة عملية قابلة للتطور.

الرهان اليوم، كما أشار الجانبان، يتمثل في تثبيت هذه الدينامية عبر تفعيل آليات منتظمة للحوار السياسي، وتكثيف الزيارات المتبادلة، وتعزيز التنسيق سواء على المستوى الأوروبي أو الإفريقي، بما ينسجم مع تموقع المغرب كشريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي وفاعل محوري في إفريقيا.

هكذا، تبدو زيارة وزيرة الخارجية الفنلندية إلى الرباط أكثر من محطة بروتوكولية عابرة؛ إنها حلقة في مسار إعادة تموضع دبلوماسي، تتقاطع فيه الاعتبارات السياسية مع المصالح الاقتصادية، وتترجم تحولات أعمق في خريطة المواقف الدولية من قضية الصحراء، وفي طبيعة الشراكات التي يسعى المغرب إلى بنائها على أساس الوضوح والمصالح المتبادلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى