رغم 51 مليار درهم من الدعم المباشر.. الفقر ما زال يرسم خريطة الاستفادة بالمغرب

أميمة حدري 

رغم ضخ نحو 51 مليار درهم في إطار برنامج الدعم الاجتماعي المباشر إلى غاية متم سنة 2025، فإن خريطة الاستفادة من هذا الورش الاجتماعي ما تزال تعكس بشكل واضح خريطة الفقر والهشاشة بالمغرب، حيث تتركز نسب مهمة من المستفيدين في الجهات التي تعاني مستويات مرتفعة من الفقر متعدد الأبعاد والهشاشة الاجتماعية، ما يطرح تساؤلات متجددة حول مدى قدرة هذه التحويلات المالية على إحداث تحول ملموس في الأوضاع المعيشية للأسر الأكثر احتياجا.

وتفيد المعطيات الرسمية بأن البرنامج استفادت منه قرابة 4 ملايين أسرة، ينحدر 60 في المائة منها من الوسط القروي، فيما تجاوزت المبالغ المصروفة 51 مليار درهم منذ انطلاق العمل بالنظام.

كما استحوذت الإعانات المرتبطة بالحماية من المخاطر المرتبطة بالطفولة على الحصة الأكبر من الاعتمادات المالية، بما يفوق 32 مليار درهم، لفائدة نحو 5.5 ملايين طفل ينتمون إلى 2.45 مليون أسرة.

وتكشف الأرقام أن 84 في المائة من المستفيدين ينتمون إلى الفئات التي تعاني الفقر أو محدودية الدخل، وهو ما يعكس نجاح آليات الاستهداف في الوصول إلى الفئات الهشة، لكنه يبرز في الوقت ذاته استمرار اتساع قاعدة الأسر التي تعاني أوضاعا اجتماعية صعبة وتحتاج إلى دعم عمومي منتظم ومحترم لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش.

ويظهر التوزيع الجهوي للمستفيدين أن جهات مثل مراكش آسفي وفاس مكناس والدار البيضاء سطات تستحوذ على النسب الأكبر من الاستفادة، في ارتباط مباشر بثقلها الديمغرافي من جهة، وبمؤشرات الفقر والهشاشة المسجلة بها من جهة أخرى.

ويؤكد ذلك أن الدعم الاجتماعي يتجه أساسا نحو المناطق التي تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية أكبر، غير أن استمرار هذه الجهات في صدارة المستفيدين يعكس أيضا حجم الإكراهات التنموية التي ما تزال قائمة.

ويثير هذا الواقع نقاشا متواصلا بشأن القيمة الفعلية للدعم الممنوح للأسر، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة وأسعار المواد الأساسية والخدمات. فبالنسبة لعدد من المتابعين، ساهمت التحويلات المالية في التخفيف من حدة الأعباء اليومية على الأسر الفقيرة، لكنها تبقى غير كافية لإحداث تحسن جوهري في القدرة الشرائية أو إخراج الأسر بشكل نهائي من دائرة الهشاشة، خصوصا بالنسبة للأسر الكبيرة أو التي لا تتوفر على مصادر دخل مستقرة.

وبينما يواصل البرنامج توسيع دائرة التغطية الاجتماعية، تبقى التحديات المرتبطة بالفقر والبطالة وغلاء المعيشة حاضرة بقوة في النقاش العمومي، ما يجعل الرهان الحقيقي لا يقتصر على تقديم تحويلات مالية مباشرة قيمتها 500 درهم، بل يمتد إلى تعزيز فرص الشغل وتحسين الدخل وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، حتى لا تظل خريطة الدعم الاجتماعي مرآة تعكس استمرار تمركز الفقر والهشاشة في عدد من جهات المملكة.

في سياق متصل، ذهب البعض إلى المقارنة بين برنامج الدعم الاجتماعي المباشر بالمغرب وعدد من تجارب الحماية الاجتماعية في دول أخرى، من بينها برنامج “بورسا فاميليا” في البرازيل، الذي يعد من أبرز نماذج التحويلات النقدية المشروطة الموجهة للفئات الفقيرة. ويستند هذا النموذج إلى ربط الدعم المالي بمجموعة من الالتزامات الاجتماعية، خصوصا في ما يتعلق بتعليم الأطفال والتغطية الصحية، بهدف الانتقال من منطق الدعم المباشر إلى منطق الاستثمار في الرأسمال البشري.

كما يذهب هذا الطرح إلى اعتبار أن استدامة الأثر الاجتماعي لأي برنامج من هذا النوع تظل مرتبطة بقدرته على الانتقال من منطق الإعانة إلى منطق التمكين، وهو ما يجعل تجارب مثل “بورسا فاميليا” مرجعا للمقارنة، ليس من زاوية النقل الحرفي للنموذج، ولكن من حيث تقييم آليات الربط بين الدعم المالي ومؤشرات التنمية البشرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى