محاربة الفساد ورقابة المال العام.. العدالة والتنمية يكشف أوراقه الانتخابية

أميمة حدري
كشف حزب العدالة والتنمية عن أبرز مضامين برنامجه الانتخابي الخاص بالانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، واضعا محاربة الفساد وتعزيز النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ضمن المحاور الأساسية التي يقترحها لتدبير المرحلة المقبلة.
وقدم الحزب، اليوم الإثنين بالرباط، مجموعة من التعهدات ذات الطابع التشريعي والمؤسساتي، قال إنها تستهدف تقوية منظومة الحكامة والرقابة، وتشديد آليات حماية المال العام، فضلا عن إعادة ترتيب العلاقة بين المسؤولية العمومية والمصالح الاقتصادية الخاصة.
ويقوم التصور الذي قدمه الحزب على إحداث وتحيين مجموعة من الآليات القانونية، إلى جانب إعادة تفعيل مؤسسات الحكامة ومكافحة الفساد، وربط هذه الورش بإصلاح القضاء ورقمنة الإدارة وتعزيز الديمقراطية والحقوق والحريات.
ترسانة قانونية لمحاصرة الفساد
وتعهد حزب العدالة والتنمية بإخراج القوانين المرتبطة بالمخالفات الناجمة عن حالات تنازع المصالح، انسجاما مع مقتضيات الفصل 36 من الدستور، الذي يضع قواعد مرتبطة بمنع حالات تضارب المصالح واستغلال النفوذ.
كما اقترح الحزب تجريم الإثراء غير المشروع، ومواجهة الزيادات الكبيرة وغير المبررة في الثروة، إلى جانب تجريم تسريب المعلومات المتميزة عندما يكون الهدف منها الحصول على فوائد أو امتيازات.
وشمل البرنامج أيضا تحيين التشريع المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات، في محاولة لتعزيز آليات مراقبة تضخم الثروة لدى المسؤولين والأشخاص الملزمين قانونا بالتصريح بممتلكاتهم.
وفي السياق ذاته، طرح الحزب مراجعة عدد من النصوص القانونية المرتبطة بتدبير الملك العمومي واستغلاله، من بينها قانون المقالع وقانون الاحتلال المؤقت للملك العمومي، معتبرا أن تحديث هذه القوانين يدخل ضمن ورش تعزيز الشفافية والحكامة في تدبير الموارد والمجالات التابعة للملك العمومي.
حماية المبلغين وإعادة تفعيل استراتيجية مكافحة الفساد
ولا تقتصر مقترحات الحزب على تجريم الأفعال المرتبطة بالفساد، إذ يتضمن برنامجه الانتخابي تعهدا بحماية الموظفين والمسؤولين العموميين الذين يبلغون عن أفعال الفساد داخل الإدارات العمومية.

ووضع الحزب، في الإطار نفسه، إعادة تحيين وتفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ضمن أولوياته، إلى جانب تفعيل اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد والالتزام بعقد اجتماعاتها بشكل دوري.
كما يدعو إلى نشر مخرجات اجتماعات اللجنة وتنزيل توصياتها، بما يسمح، وفق التصور المعلن، بجعل مكافحة الفساد ورشا مؤسساتيا مستمرا، بدل الاقتصار على التدخلات المرتبطة بوقائع أو ملفات محددة.
ويتضمن البرنامج أيضا دعوة إلى تعزيز استقلالية وفعالية مؤسسات الحكامة الجيدة والنزاهة والمنافسة والرقابة المالية، مع التأكيد على ضرورة تفعيل التوصيات الصادرة عنها.
فصل المسؤولية العمومية عن المصالح الاقتصادية
وفي جانب آخر، ركز حزب العدالة والتنمية على ضرورة وضع فصل واضح بين المسؤولية والوظيفة العموميتين وبين المصالح الاقتصادية الخاصة، مع ضمان شفافية العلاقات التي تجمع المسؤولين العموميين بالمقاولات.
ويرتبط هذا المقترح، بحسب مضمون البرنامج، بالحد من حالات تضارب المصالح، وتعزيز قواعد الشفافية في ممارسة المسؤوليات العمومية، بما يجعل تدبير الشأن العام منفصلا عن المصالح الاقتصادية الخاصة.
ووضع الحزب هذه النقطة ضمن تصور أوسع لمحاصرة شبكات المصالح والوساطات غير المؤسساتية، وتقوية المؤسسات التي يفترض أن تشكل قنوات طبيعية للتأطير والوساطة والتعبير عن إرادة المواطنين.
القضاء في واجهة حماية المال العام
وربط البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية بين محاربة الفساد وإصلاح منظومة العدالة، إذ يدعو إلى مواصلة وتعميق إصلاح القضاء، مع التشديد على صيانة استقلاليته ونزاهته.
كما اقترح جعل القضاء فاعلا أساسيا في حماية المال العام، مع توسيع نطاق المراقبة القضائية على الصفقات العمومية، باعتبارها إحدى المجالات التي تتطلب، وفق التصور الذي قدمه الحزب، رقابة فعالة على مسارات التدبير والإنفاق العمومي.
وتعهد الحزب كذلك بضمان سرعة وفعالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، معتبرا أن صدور الحكم القضائي لا يكتمل أثره دون ضمان تنفيذه في آجال وشروط فعالة.
ويضع البرنامج فعالية تنفيذ الأحكام ضمن مقومات سيادة القانون، باعتبار أن تنفيذ الأحكام الصادرة عن القضاء يشكل جزءا أساسيا من ضمان احترام القواعد القانونية وتعزيز الثقة في المؤسسات.
مراجعة قوانين المهن القضائية
ويمتد تصور الحزب لإصلاح منظومة العدالة إلى القوانين المنظمة للمهن المرتبطة بها، حيث يقترح مراجعة النصوص المؤطرة لمهن المحاماة والعدول والموثقين.
وأشار البرنامج إلى ضرورة معالجة الملاحظات التي أثارتها الهيئات المهنية المعنية، خصوصا تلك المرتبطة بالمبادئ الأساسية المؤطرة لهذه المهن، فضلا عن تعزيز المسطرة التشاورية مع المهنيين أثناء إعداد ومراجعة النصوص المنظمة لمهنهم.
كما طرح الحزب جملة من الإجراءات المرتبطة بتقريب العدالة من المواطنين، من خلال الحد من بطء المساطر وارتفاع التكلفة والصعوبات المرتبطة بتنفيذ الأحكام.
ضمانات المحاكمة العادلة وتسهيل الولوج إلى العدالة
وأولى البرنامج أهمية لمسألة الولوج إلى العدالة، من خلال الدعوة إلى تحسين ظروف الوصول إلى المحاكم وتعزيز المساعدة القانونية، إلى جانب تقوية ضمانات المحاكمة العادلة.
ويشمل ذلك، وفق البرنامج، حماية استقلالية وحصانة الدفاع، وترسيخ قرينة البراءة والحق في الطعن، فضلا عن تحسين شروط الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي.
وقدم الحزب هذه المقترحات في إطار تصور يعتبر إصلاح القضاء جزءا من إصلاح شامل لمنظومة الحكامة، وليس مجرد ورش تقني منفصل عن باقي الإصلاحات المؤسساتية والقانونية.
الرقمنة كآلية لمحاصرة البيروقراطية والرشوة
وخصص البرنامج الانتخابي حيزا للتحول الرقمي، باعتباره أحد المداخل التي يقترحها الحزب للحد من مظاهر البيروقراطية وتقليص المساحات التقديرية في العلاقة بين الإدارة والمواطن والمقاولة.
وفي هذا الإطار، يتعهد الحزب بتسريع رقمنة الخدمات الإدارية، بما يتيح تقليص الاحتكاك المباشر بين المرتفق والإدارة، وتبسيط عدد من المساطر والخدمات.
كما يقترح تسريع التحول الرقمي للمقاولات وتوسيع اعتماد التقنيات الرقمية المتقدمة، بهدف الرفع من إنتاجيتها وتعزيز مساهمتها في النمو والتشغيل.
ويرى الحزب أن تقليص التعامل المباشر والمساحات التقديرية في العلاقة بين الإدارة والمرتفق يمكن أن يشكل إحدى الآليات العملية للحد من بعض مظاهر الفساد والرشوة، من خلال جعل الخدمات الإدارية أكثر وضوحا وقابلية للتتبع.
الحكامة والديمقراطية في مواجهة شبكات المصالح
ولا يفصل حزب العدالة والتنمية بين محاربة الفساد وإصلاح المجال السياسي والمؤسساتي، إذ يضع الحكامة والديمقراطية ضمن الإطار العام لبرنامجه الانتخابي.
ويؤكد الحزب على سمو الدستور والتأويل الديمقراطي لمقتضياته، باعتباره مرجعا تعاقديا ساميا يؤطر شرعية ومشروعية الفاعل والفعل العموميين.
كما يدعو إلى تقوية مؤسسات الوساطة وتأهيل الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات للقيام بوظائف التأطير والتكوين والتعبير عن إرادة المواطنين والمواطنات.
ويحذر البرنامج، في هذا السياق، مما يصفه بإضعاف هذه المؤسسات أو تدجينها أو تجاوزها لفائدة شبكات المصالح والوساطات غير المؤسساتية، داعيا إلى إعادة الاعتبار للأدوار التي تضطلع بها المؤسسات السياسية والمدنية في تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الجهوية واللامركزية والتدبير الحر
وفي الشق المرتبط بالحكامة الترابية، يقترح الحزب تصحيح ما يعتبره إفراغا لمضامين الجهوية واللامركزية والتدبير الحر.
ودعا إلى تعزيز الديمقراطية التمثيلية والتشاركية، مع معالجة ما يصفه بالتراجع عن مبدأ التدبير الحر وإفراغ المؤسسات المنتخبة من جزء من محتواها واختصاصاتها لصالح السلطات الترابية المعينة.
ويضع الحزب هذه النقطة ضمن رؤيته لإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والسلطات، وتعزيز الاختصاصات المرتبطة بالتدبير المحلي والجهوي.
الحقوق والحريات والإعلام ضمن البرنامج
وشمل البرنامج الانتخابي كذلك مجموعة من التعهدات المتعلقة بالحقوق والحريات، حيث يؤكد الحزب على حماية الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
كما يتعهد بتعزيز حرية الفكر والتعبير والصحافة، وحماية الصحافيين والمدونين، وضمان استقلالية الإعلام وتعدديته.
ويمتد هذا التصور إلى حماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية وحرمة الأشخاص والمنازل والاتصالات، ضمن تصور يربط الحكامة الجيدة باحترام الحقوق والحريات الأساسية.





