فيفاس يصعد ضد المغرب من بروكسيل.. اتهامات ثقيلة بلا حسم رسمي ومطالب بجر أوروبا إلى أزمة سبتة المحتلة

مديحة المهادنة
خبر_رفع رئيس مدينة سبتة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، سقف خطابه تجاه المغرب من قلب المؤسسات الأوروبية، محاولا نقل أزمة الهجرة التي شهدتها المدينة المحتلة نهاية يوليوز من نطاقها الإسباني الداخلي إلى مواجهة سياسية أوروبية مع الرباط، في وقت لا تزال فيه الرواية التي تحمل السلطات المغربية مسؤولية التخطيط لتلك الأحداث محل خلاف داخل إسبانيا نفسها، ولم تتحول بعد إلى حقيقة مثبتة رسميا.
وبحسب ما اوردته وسائل الاعلام الاسبانية ، حل فيفاس، الثلاثاء 8 شتنبر، ببروكسيل ضمن أجندة من اللقاءات مع مسؤولين أوروبيين، حيث طالب الاتحاد الأوروبي بموقف أكثر حزما، وبانخراط مباشر في ملف الحدود وعمليات إعادة المهاجرين وتعزيز حضور الوكالات الأوروبية بمدينة سبتة المحتلة.

زيارة فيفاس حملت معها خطابا سياسيا شديد اللهجة تجاه المغرب، إذ عاد إلى اتهام الرباط بالوقوف خلف التدفق الكبير للمهاجرين يومي 30 و31 يوليوز، معتبرا أن تحرك عشرات الآلاف لم يكن ليحدث، حسب تقديره، من دون علم أو سماح السلطات المغربية.
غير أن صيغة الجزم التي يعتمدها رئيس سبتة تصطدم، حتى الآن، بموقف رسمي مختلف صادر عن الحكومة الإسبانية نفسها. فقد أكد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أمام البرلمان، في 3 شتنبر، أن حكومته لا تتوفر على “أدلة صلبة” تثبت أن المغرب خطط أو نفذ عملية الدخول الجماعي، مشددا على أن مدريد ستتصرف بحزم إذا ظهرت معطيات دامغة تثبت عكس ذلك.

تبرز هنا واحدة من أبرز مفارقات خطاب فيفاس؛ فرئيس المدينة المحتلة يقدم المسؤولية المغربية باعتبارها شبه محسومة، بينما ما تزال مؤسسات الدولة الإسبانية نفسها تتحدث عن تحقيقات وتقارير بحاجة إلى استكمال وفحص، بل إن الحكومة الإسبانية قررت، الثلاثاء، رفع السرية عن تقارير المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية “CNI” المتعلقة بأحداث سبتة المحتلة، على أن يتم نشرها الأربعاء، ما يعني أن الملف لا يزال مفتوحا على مستوى التحقق الرسمي.
ومع ذلك، حاول فيفاس دفع بروكسيل إلى تبني قراءته للأزمة، مطالبا بإعلان أوروبي “قاطع وواضح” بشأن حدود سبتة ومليلية المحتلتين، وبربط مستقبل التعاون مع المغرب بما سماه “احترام الحدود الإسبانية”. كما دعا المفوضية الأوروبية إلى الضغط من أجل تسريع إعادة الأشخاص الذين دخلوا إلى المدينة بطريقة غير نظامية، ووضع خطة محددة للترحيل بآجال وموارد واضحة.
وإلى جانب الملف السياسي، طالب رئيس سبتة المحتلة بتكريس حضور دائم لوكالة حماية الحدود الأوروبية “فرونتكس” ووكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، إضافة إلى تعبئة تمويل أوروبي جديد لتقوية المنشآت الحدودية وتدبير الضغط الإنساني الناتج عن الأزمة.
خطاب فيفاس استند أيضا إلى صورة قاتمة عن الوضع الداخلي للمدينة، التي وصفها بأنها “قدر ضغط يمكن أن ينفجر في أي لحظة”، معتبرا أنها تواجه ضغوطا على مستوى الأمن والخدمات العمومية والاقتصاد والتعايش. وهو توصيف سبق أن كرره قبل يوم واحد في مدريد خلال لقاء حضره قياديون من الحزب الشعبي الإسباني، حيث جدد اتهامه المباشر للمغرب بالوقوف وراء ما سماه “الضربة” التي تعرضت لها سبتة.
غير أن تضارب الأرقام يضيف بدوره طبقة أخرى من الضبابية إلى الخطاب السياسي المحيط بالأزمة. ففي الوقت الذي تحدث فيه فيفاس عن أرقام تتراوح بين 80 و100 ألف شخص عبروا الحدود، تشير تقديرات أخرى متداولة في إسبانيا إلى أرقام أقل، كما أظهرت التغطيات الإسبانية خلال الأسابيع الماضية اختلافا واضحا بشأن عدد الداخلين وعدد من ظلوا في المدينة وعدد القاصرين بينهم. صحيفة “إلباييس”تحدثت صراحة عن “فوضى أرقام” داخل المؤسسات الإسبانية نفسها في التعامل مع الأزمة.
ولم يقتصر تحرك رئيس سبتة المحتلة على تدبير تداعيات الأحداث الأخيرة، بل استغل وجوده في بروكسيل لإعادة طرح مطلب قديم يقضي بمنح سبتة ومليلية المحتلتين وضعا خاصا داخل الاتحاد الأوروبي، يشمل تمويلا أكبر، وامتيازات اقتصادية وتجارية، وحضورا مؤسساتيا أقوى داخل الهياكل الأوروبية، إلى جانب تكييف ميثاق الهجرة واللجوء مع خصوصية المدينتين.
يكشف هذا المسار أن فيفاس لا يتعامل مع أزمة نهاية يوليوز باعتبارها ملفا أمنيا وإنسانيا ظرفيا فقط، بل يحاول تحويلها إلى ورقة لإعادة صياغة موقع سبتة المجتلة داخل الاتحاد الأوروبي، وتعزيز المظلة السياسية والأمنية الأوروبية حول المدينة، بالتوازي مع رفع مستوى الضغط الدبلوماسي على المغرب.
وبينما ختم فيفاس خطابه بشعار مفاده أن “غرق سبتة يعني غرق إسبانيا وأوروبا”، تظل المسألة الأكثر حساسية دون حسم: هل تتوفر مدريد بالفعل على أدلة تثبت أن المغرب خطط للأحداث، أم أن الاتهامات لا تزال جزءاً من معركة سياسية داخلية يقودها الحزب الشعبي في مواجهة حكومة سانشيز؟
الجواب قد يصبح أكثر وضوحا مع نشر تقارير الاستخبارات الإسبانية والوثائق الأمنية التي تعهدت الحكومة بالكشف عنها؛ أما إلى حين ذلك، فإن تحويل الاتهام إلى حقيقة ثابتة يظل سابقاً لنتائج التحقيقات نفسها.





