مذكرة ترافعية بفاس تطالب بإنهاء “الترخيص المقنع” للجمعيات

أميمة حدري

طالبت شبكات المجتمع المدني بمدينة فاس بإنهاء ما وصفته بـ”الترخيص المقنع” الذي يطبع، بحسبها، عددا من الممارسات الإدارية المرتبطة بتأسيس الجمعيات وتجديد أجهزتها وتدبير شؤونها، داعية الأحزاب السياسية إلى جعل حماية الحرية الجمعوية التزاما واضحا ضمن برامجها الانتخابية والتشريعية، وذلك في أفق الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.

وجاء ذلك خلال لقاء جهوي احتضنته مدينة فاس تحت شعار “ترافع جهوي نحو بيئة ضامنة لحقوق الجمعيات ومحفزة للمشاركة”، نظمته شبكات المجتمع المدني، ممثلة في الفضاء الجمعوي ودينامية إعلان الرباط، وخصص لتقديم مذكرة ترافعية موجهة إلى الأحزاب السياسية المشاركة في الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

وشكل اللقاء مناسبة لتسليط الضوء على الإطار الدستوري والقانوني المؤطر للعمل الجمعوي بالمغرب، وعلى عدد من الإشكالات التي تقول الفعاليات المدنية إنها لا تزال تعترض ممارسة الجمعيات لاختصاصاتها، خصوصا في علاقتها بالإدارة والسلطات الترابية.

ويستند الترافع الذي قدمته الشبكات المدنية إلى الفصل 12 من الدستور، إلى جانب مقتضيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، باعتبارها مرجعيات ضامنة لحرية تأسيس الجمعيات وممارسة أنشطتها.

كما وجهت المذكرة خطابها بشكل مباشر إلى الأحزاب السياسية، بالنظر إلى دورها في التشريع وممارسة الرقابة والمساهمة في صياغة السياسات العمومية، مطالبة إياها بتحويل حماية الحرية الجمعوية إلى التزام سياسي وتشريعي واضح.

وسجلت المذكرة وجود فجوة بين المقتضيات القانونية المؤطرة للعمل الجمعوي وبين بعض الممارسات الإدارية على أرض الواقع، معتبرة أن نظام التصريح المنصوص عليه في الفصل الخامس من ظهير 15 نونبر 1958 بشأن حق تأسيس الجمعيات قد يتحول، في بعض الحالات، إلى ما يشبه “الترخيص المقنع”.

وتتعلق أبرز الممارسات التي أثارتها الشبكات المدنية بامتناع الإدارة عن تسليم الوصل المؤقت فور إيداع ملف تأسيس الجمعية، والتأخر في تسليم الوصل النهائي، فضلاً عن مطالبة بعض الجمعيات بوثائق لا تنص عليها المقتضيات القانونية المنشورة، وهي ممارسات تقول المذكرة إنها تطرح إشكالات عملية أمام الجمعيات وتحد من قدرتها على مباشرة أنشطتها بشكل طبيعي.

وأوضحت المذكرة أن عدم تسليم الوصول في الآجال القانونية لا يظل مجرد إشكال إداري، وإنما تترتب عنه انعكاسات مباشرة على حياة الجمعيات، من بينها صعوبات فتح وتدبير الحسابات البنكية، وإبرام الشراكات، وتحديث الأجهزة المسيرة، فضلا عن التأثير في قدرة الجمعيات على الولوج إلى القاعات والمرافق العمومية وتنفيذ المبادرات المدنية والتطوعية.

وفي هذا السياق، رفعت الشبكات المدنية ثمانية مطالب إلى الأحزاب السياسية، في مقدمتها ضمان التسليم الفوري للوصل المؤقت بمجرد إيداع ملف الجمعية، بما ينسجم مع المقتضيات القانونية المؤطرة لعملية التصريح.

كما دعت إلى توفير حماية قانونية من الامتناع الإداري، من خلال الاعتراف بمحضر العون القضائي أو الإشعار الإلكتروني وترتيب آثارهما القانونية، بما يحول دون بقاء الجمعيات رهينة لامتناع الإدارة عن تسليم الوثائق التي تثبت وضعيتها القانونية.

وشملت المطالب أيضا إحداث منصة وطنية موحدة للإيداع الإلكتروني، تتيح إيداع الملفات واستخراج وصل مؤرخ بشكل فوري، إلى جانب حصر الوثائق المطلوبة في المقتضيات القانونية المنشورة، وإلزام الإدارة بتوجيه إشعار مكتوب ومعلل في حال وجود نقص في الملف.

وطالبت المذكرة كذلك بتفعيل أثر انقضاء الآجال القانونية، والاستفادة من المقتضيات المرتبطة بتبسيط المساطر، بما فيها مقتضيات القانون رقم 55.19، بما يمنع استعمال صمت الإدارة أو التأخر في معالجة الملفات كوسيلة لتعطيل ممارسة الحقوق الجمعوية.

كما تضمنت المطالب إحداث آلية استعجالية للتظلم تمكن الجمعيات من الوصول إلى مسار سريع ومعلل للبت في الشكايات المرتبطة بالممارسات الإدارية، إلى جانب توحيد الممارسة على المستوى الترابي عبر إصدار دليل مسطري موحد وملزم لمختلف السلطات المحلية.

وفي جانب آخر، دعت الشبكات المدنية إلى تعزيز الشفافية والمساءلة من خلال تقديم حصيلة دورية أمام البرلمان بشأن ملفات الجمعيات والوصولات المسلمة، بما يسمح بتقييم الممارسة الإدارية ورصد الاختلالات المرتبطة بتطبيق القواعد المنظمة للعمل الجمعوي.

واختتم اللقاء بدعوة الأحزاب السياسية على المستوى الجهوي والإقليمي إلى التفاعل مع المذكرة الترافعية والتوقيع على بطاقة الالتزام المرفقة بها، في مسعى لجعل حماية الحرية الجمعوية جزءا من الالتزامات الانتخابية والتشريعية للأحزاب خلال الولاية المقبلة.

ويراهن أصحاب المبادرة على أن يتحول هذا الترافع إلى التزام سياسي واضح يتجاوز مرحلة طرح المطالب إلى إدراجها ضمن البرامج الانتخابية والتشريعية، بما يضمن، وفق تصورهم، توفير بيئة قانونية وإدارية أكثر وضوحا للجمعيات، ويعزز قدرتها على أداء أدوارها في المشاركة المدنية والمساهمة في التنمية المحلية والوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى