أوروبا ترفض منح الجزائر صفة “البلد الآمن”.. سجل القمع ينسف رواية دولة المؤسسات

مديحة المهادنة
خبر_ حين تصبح حرية التعبير سببا للاعتقال، ويلاحق الصحفيون والنشطاء بسبب مواقفهم، يصعب تسويق صورة بلد “آمن” مهما كان الخطاب الرسمي مطمئنا. هذا هو جوهر القراءة التي قدمتها منظمة شعاع لحقوق الإنسان لغياب الجزائر عن القائمة الأوروبية المشتركة لـ”بلدان المنشأ الآمنة”، معتبرة أن الملف لا ينفصل عن واقع حقوقي تلاحقه منذ سنوات انتقادات مرتبطة بمعتقلي الرأي، والتضييق على الصحافة والعمل السياسي والحقوقي، وفرض قيود على حرية التنقل.
وأكدت المنظمة، في بيان صادر عنها بتاريخ 8 شتنبر الجاري، أن عدم إدراج الجزائر ضمن القائمة الأوروبية يكتسي دلالة خاصة في ظل الفجوة القائمة بين الخطاب الرسمي الذي يقدم البلاد باعتبارها دولة مؤسسات وقانون، وبين واقع تقول المنظمة إن منظمات حقوقية وثقت فيه اعتقالات ومتابعات قضائية بسبب التعبير السلمي، واستمرار وجود معتقلي رأي، إلى جانب التضييق على الصحافة والعمل السياسي والحقوقي وفرض قيود على حرية التنقل.
وتأتي هذه القراءة بالتزامن مع دخول القواعد الجديدة المرتبطة بميثاق الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء حيز التطبيق في 12 يونيو 2026. وتستخدم قائمة “بلدان المنشأ الآمنة” في إجراءات اللجوء الأوروبية لتحديد الدول التي يفترض، وفق المعايير المعتمدة، أنها توفر بصورة عامة مستوى كافيا من الحماية والأمان، مع بقاء دراسة كل طلب لجوء مرتبطة بالظروف الفردية والمخاطر التي قد يتعرض لها صاحبه في حال العودة.
وبالنسبة إلى منظمة شعاع، فإن بقاء الجزائر خارج هذه القائمة يكشف حدود الخطاب الرسمي عندما يصطدم بالوقائع الحقوقية على الأرض. فالأمان، وفق مقاربتها، لا يمكن اختزاله في غياب الحرب أو النزاع المسلح، بل يقاس أيضا بقدرة المواطن على التعبير والانتقاد، وبقدرة الصحفي على ممارسة عمله، وبمدى قدرة النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان على التحرك دون خوف من الاعتقال أو الملاحقة القضائية.
هذا التقييم يضع السلطات الجزائرية أمام تناقض يصعب تجاوزه بالشعارات. فمن جهة، يصر الخطاب الرسمي على تقديم صورة بلد مستقر تحكمه المؤسسات وتحمي فيه القوانين الحقوق الأساسية، ومن جهة أخرى، تواصل تقارير حقوقية تسجيل قضايا مرتبطة بالسجن بسبب منشورات ومواقف سياسية، وملاحقات ضد نشطاء، ومنع بعض الصحفيين والمدافعين عن الحقوق من السفر. ويظهر رصد المنظمة خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من القضايا المرتبطة بحرية التعبير والعمل المدني، وهو ما يعمق الشكوك حول حقيقة المساحة المتاحة للحريات العامة.
وتذهب المنظمة أبعد من مجرد تسجيل الموقف الأوروبي، إذ ترى أن عدم إدراج الجزائر ينبغي أن تكون له آثار مباشرة على طريقة دراسة طلبات الحماية الدولية المقدمة من جزائريين، خصوصا بالنسبة إلى معتقلي الرأي السابقين والنشطاء السياسيين والحقوقيين والصحفيين والمدونين الذين سبق أن تعرضوا للاعتقال أو المتابعة أو التضييق. وتطالب بأن تخضع هذه الملفات لتقييم فردي وجدي يستند إلى الوقائع الموثقة وسجل حقوق الإنسان والمخاطر الفعلية التي قد تواجه أصحابها عند العودة.
والنقطة الأكثر إحراجا للسلطات الجزائرية أن القضية لم تعد محصورة في انتقادات تصدر عن معارضين في الداخل أو منظمات حقوقية في الخارج، بل أصبحت صورة البلاد الحقوقية حاضرة أيضا داخل آليات أوروبية مرتبطة باللجوء والحماية الدولية. وهذا يضع الخطاب الرسمي أمام اختبار عملي: فالتأكيد المتكرر على احترام القانون لا يكفي وحده لإقناع المؤسسات الدولية عندما تصطدم تلك الصورة بتقارير توثق محاكمات وتضييقا وقيودا على حرية التعبير والتنقل.
منظمة شعاع اختزلت المعضلة بوضوح عندما اعتبرت أن واقع الحقوق في الجزائر يكشف مسافة متزايدة بين الدولة كما تقدمها السلطة والدولة كما يعيشها صحفيون ونشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان. ومهما ارتفعت لغة الخطاب الرسمي، فإن معيار الأمان يظل مرتبطا في النهاية بقدرة المواطن على الكلام والكتابة والانتقاد والدفاع عن حقوقه دون أن يتحول ذلك إلى تهمة أو ملف أمام القضاء.





