تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول تشريعات 2026.. دورية الاستحقاق ورهان الثقة والمشاركة

إعلام تيفي
أفرد المجلس الوطني لحقوق الإنسان خلاصات تقريره الأولي بخصوص الملاحظة المحايدة والمستقلة للاستحقاقات التشريعية، وهو التقرير الذي اختار له عنوان “دورية الاستحقاق ورهان الثقة والمشاركة”.
وقرأ المجلس مختلف مراحل هذا الاستحقاق من منظور يراعي سؤالاً محورياً يرتبط بمدى إتاحة الضمانات القانونية والممارسات الانتخابية للمواطنات والمواطنين لممارسة حقوقهم السياسية بحرية وعلى قدم المساواة، وشعورهم بأن لاختياراتهم أثراً فعليا في القرار العمومي.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في سياق دولي تتزايد فيه الضغوط على المؤسسات الديمقراطية، ويتصاعد فيه الاستقطاب، وتتراجع فيه الثقة في الوسائط التقليدية للتأطير السياسي، مع تعاظم تأثير الفضاء الرقمي بفرصه ومخاطره في تشكيل الرأي العام وشروط التنافس الانتخابي.
أبعاد المشاركة ودورية الاستحقاق الانتخابي
أكد التقرير أن انتظام الاستحقاقات الانتخابية واحترام دوريتها يشكل ضمانة أساسية لاستمرارية البناء الديمقراطي وتجديد الشرعية التمثيلية، اتساقا مع منظومة الحقوق الكونية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتتيح هذه الدورية إطاراً مؤسساتياً لمعالجة الاختلافات والتأكيد على خضوع الممثلين للمساءلة، فضلاً عن دورها في حماية الاستقرار المؤسساتي بدل انتقال التوترات إلى خارج الأطر الرسمية.
وسجل التقرير أن المشاركة الانتخابية تعكس مستوى الثقة في المؤسسات ومدى الإحساس بجدوى التصويت وقدرة الفعل السياسي على استيعاب انتظارات مختلف الفئات.
وشكلت نسبة المشاركة المسجلة رسالة موجّهة للفاعلين التنفيذي والتشريعي في تفاعلهما مع القضايا المجتمعية واليومية للمغاربة، مما يتطلب تقليص الفوارق في التمثيل والانخراط السياسي بين الشباب والنساء ومختلف المجالات الترابية.
منهجية متكاملة وأرقام دالة
اعتمد المجلس الوطني لحقوق الإنسان في ملاحظته للانتخابات منهجية شاملة ومبتكرة تجاوزت المعايير الدولية المعمول بها من حيث نسب التغطية وحجم العينات المرصودة.
وجمع المجلس بين الملاحظة الميدانية التي استندت إلى آلاف استمارات الملاحظة وأنتجت مئات الآلاف من الإجابات القابلة للتحليل، وبين الرصد المتواصل للفضاء الرقمي وتتبع مئات الآلاف من المحتويات ذات الصلة المباشرة بالعملية الانتخابية.
وشملت عينة الملاحظة الميدانية مئات الجماعات القروية والحضرية والمقاطعات الموزعة عبر غالبية العمالات والأقاليم بالملكة، مع إيلاء عناية خاصة لمناطق زلزال الأطلس، والمناطق التي شهدت احتجاجات لظروف اقتصادية واجتماعية، والمناطق المتضررة من الفيضانات.
كما تميزت هذه الملاحظة بتعزيز العمل بـ “غرفة عمليات” رقمية للتتبع والتحليل والإشراف، وتطوير منصات ذكية لربط المعطيات الميدانية وتطبيقات للتحقق من المحتويات التوليدية المعدلة بالذكاء الاصطناعي وتتبع وسائل الإعلام.
سير يوم الاقتراع واستثناء مكتبي طنجة
مر يوم الاقتراع، بحسب المعطيات الميدانية المرصودة من قبل ملاحظي المجلس والملاحظين الدوليين، في أجواء عادية تخللتها بعض حالات النقاش والتجاذب الطبيعية التي لم تؤثر على السير العام للعملية الانتخابية.
وشكل الاستثناء البارز ما رصده ملاحظو المجلس والملاحظون الدوليون في مكتبي تصويت بمدرسة القدس في مدينة طنجة، جراء تسجيل حالتين تمسان بنزاهة الانتخابات؛ حيث تم توقيف شخص بحوزته أوراق تصويت، مع فتح تحقيق استعجالي إثر وجود أوراق تصويت إضافية داخل صندوق اقتراع.
وبناءً على التقرير الميداني والاستماع لرئيسي وأعضاء المكتبين، شدد المجلس على ضرورة نشر نتائج التحقيقات وحماية شفافية الاقتراع، معلناً إحالة تقريره على رئاسة النيابة العامة لدعم إجراءات البحث.
السياق الاجتماعي والمشهد الترشحي
أظهر التتبع الإداري تدرجاً تنظيمياً في استكمال الترتيبات المؤطرة للعملية. وشكل السياق الاجتماعي محددًا رئيسياً؛ حيث تصدرت قضايا التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والتفاوتات المجالية اهتمامات المواطنين والبرامج الحزبية.
وفيما يخص الترشح والمنافسة، تلقت السلطات المعنية آلاف اللوائح المترشحة مع تسجيل طعون محدود تم قبول بعضها وفق المساطر القانونية. ورغم عدم إعمال المقتضيات الخاصة بتشجيع ترشح الشباب في لوائح مستقلة.
سجل المجلس حضوراً متزايداً لفئة الشباب دون سن الخامسة والثلاثين ضمن الترشيحات الحزبية، مع تسجيل عدم انحياز السلطات الإدارية خلال الحملة لفائدة أي طرف سياسي. كما رصد التقرير مواقف بعض الهيئات والتنظيمات التي أعلنت مقاطعتها للاستحقاق الانتخابي.
الخروقات المرصودة واستغلال الدين في الحملة
سجلت الاستمارات الميدانية للملاحظة تنوعاً في المخالفات عبر الجهات، حيث تصدر إتلاف الملصقات والتعليق العشوائي والعنف اللفظي قائمة التجاوزات، غير أن النسبة الإجمالية لهذه الخروقات مجتمعة ظلت في مستويات ضئيلة جداً مقارنة بمجموع المعطيات المرصودة.
وتضمنت التجاوزات رصد تحريض صريح لمرشح على العنف، تمت إحالته فوراً على النيابة العامة، إضافة إلى تسجيل منع محدود لبعض الملاحظين من دخول بعض مكاتب التصويت والفرز.
وفي مقابل ذلك، سجل المجلس بقلق بالغ استغلال الدين والرموز الدينية لاستمالة الناخبين وتصوير التنافس الانتخابي في أبعاد عقائدية؛ حيث تم رصد عشرات الحالات الميدانية التي تتضمن توظيفاً للمقدسات أو ممارسة أعمال الحملة داخل أماكن العبادة.
وعلى المستوى الرقمي، عاين فريق الرصد آلاف المحتويات التي تربط التصويت بمفاهيم المحاسبة الدينية أو تتهم أطرافاً بسياسة محاربة القيم، إضافة إلى استغلال مكبرات الصوت للمساجد أو تصوير المترشحين داخل الزوايا.
الإنفاق الرقمي وحضور الفئات الهشة
تتبع المجلس حركة الإعلانات الانتخابية المدفوعة للأحزاب السياسية على المنصات الرقمية، مشيراً إلى أن الفترة السابقة للحملة شهدت حجماً ضخماً وأرقام إنفاق عالية جداً مقارنة بالفترة المخصصة للحملة الرسمية التي شهدت تراجعاً في كلفة وحجم الإعلانات الرقمية الموجهة للناخبين.
وأبرز التقرير مشاركة واسعة للرجال والشباب وكبار السن في أنشطة التعبئة الميدانية، مقابل بروز حضور نسائي في بعض الجهات دون أن يترجم ذلك إلى مشاركة فعلية ومتكافئة في الخطاب والتأطير وصناعة الرسالة الانتخابية.
كما سجل المجلس ضعف مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة كمترشحين أو في الحملات الانتخابية، وضآلة حضورهم في تغطيات وسائل الإعلام، في حين أتاحت الحملة للأحزاب المشكلة للأغلبية تقديم سرديات متباينة حول تدبير القرارات الحكومية واطلاع الرأي العام على خلفياتها.
توصيات واستنتاجات رئيسية لمستقبل المسار الديمقراطي
توج المجلس تقريره الأولي بتقديم جملة من الاستنتاجات والتوصيات الكبرى الكفيلة بتجاوز الاختلالات وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وتعزيز الثقة في الخيار الديمقراطي. وصاغ المجلس توصياته في المحاور التالية:
تطوير المنظومة الانتخابية: إبقاء التسجيل في اللوائح الانتخابية مفتوحاً طيلة الفترة السابقة للاستحقاقات مع تحديد موعد شفاف لإغلاقه، وتقييم آليات التصويت بالوكالة للمغاربة المقيمين بالخارج، واعتماد الولوجيات كمعيار أساسي لاختيار مكاتب التصويت مراعاة لذوي الإعاقة.
المساواة وتكافؤ الفرص: حث الأحزاب السياسية على إقرار آليات شفافة تضمن وصول النساء والشباب إلى المراكز القابلة للانتخاب وقيادة اللوائح، وربط التكوين بالمسؤولية، إلى جانب فتح نقاش وطني حول محددات التمثيل النيابي والإنصاف المجالي وتطوير تدبير التنمية الترابية.
الشفافية وسيادة القانون: نشر المعطيات الانتخابية التفصيلية المصنفة حسب السن والجنس والجهة لقياس جودة المشاركة، وضمان حرية التعبير وتعزيز استعمال اللغة الأمازيغية في التواصل الانتخابي.
المتابعة القضائية والإصلاح المؤسساتي: إطلاع الرأي العام الوطني على مآلات الأبحاث والإجراءات القضائية المتخذة بشأن الاختلالات المسجلة لحماية نزاهة الاقتراع، ودعوة المؤسسات المنتخبة لاستيعاب رسالة نسبة المشاركة باعتبارها إنذاراً يستوجب تقييم الأنشطة والخطابات، ولربط ممارسة الحقوق السياسية بالفعلية الكاملة لسائر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.




