18ألف صوت ملغى في تازة.. خطأ في التصويت أم رسالة احتجاج؟

جمال بلـــــة
تقرير_ غريب ولافت.. 18 ألفا و349 صوتا ملغى في دائرة تازة خلال الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، رقم لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، خصوصا في استحقاق انتخابي أفرز خريطة سياسية جديدة وتنافسا قويا على المقاعد الخمسة المخصصة للإقليم، فبحسب المعطيات المنشورة حول النتائج، بلغ عدد الأصوات الصحيحة 81 ألفا و862 صوتا، مقابل 18 ألفا و349 صوتا ملغى، وهو ما يجعل حجم الأوراق غير المحتسبة رقما انتخابيا يستحق الوقوف عنده وطرح أكثر من سؤال حول دلالاته.
فالورقة الملغاة لا تعني بالضرورة أن صاحبها كان يقصد الاحتجاج أو رفض جميع المرشحين، فقد تكون نتيجة خطأ في وضع العلامة، أو عدم احترام قواعد التصويت، أو أسباب أخرى تجعل الورقة غير قابلة للاحتساب، ولذلك سيكون من غير الدقيق تحويل مجموع الأصوات الملغاة بشكل آلي إلى كتلة من «الأصوات الاحتجاجية»، لكن في المقابل، فإن ارتفاع هذا الرقم يفتح الباب أمام قراءة سياسية واجتماعية أوسع، خاصة عندما يتعلق الأمر بآلاف المواطنين الذين حضروا إلى مكاتب التصويت ولم تتحول أصواتهم في النهاية إلى أصوات محتسبة في تحديد الخريطة الانتخابية.
وتزداد أهمية الرقم بالنظر إلى طبيعة المنافسة التي شهدتها دائرة تازة، والتي انتهت إلى فوز خمسة أحزاب بالمقاعد الخمسة، في مشهد يعكس تعدد موازين القوة الانتخابية داخل الإقليم. وهنا يصبح السؤال مشروعا ماذا لو كان جزء من هذه الأصوات الملغاة قد احتسب؟ وهل كان يمكن لذلك أن يؤثر في ترتيب بعض المرشحين أو في توزيع المقاعد؟
الإجابة، من الناحية الانتخابية، ليست بهذه البساطة، فالأصوات الملغاة لا يمكن إسنادها افتراضيا إلى هذا الحزب أو ذاك، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها رصيدا انتخابيا كامنا لمرشح معين، لذلك فإن القول إنها كانت ستقلب الخريطة الانتخابية يظل فرضية تحليلية لا يمكن إثباتها من دون معرفة اتجاه تلك الأصوات، وهو أمر غير متاح بمجرد معرفة عدد الأوراق الملغاة.
لكن الرقم يطرح سؤالا آخر أكثر عمقا يتعلق بجودة المشاركة الانتخابية نفسها لماذا يصل عدد الأصوات التي لم تدخل في الحساب النهائي إلى هذا المستوى؟ وهل يتعلق الأمر بضعف معرفة بعض الناخبين بكيفية التصويت، أم بأخطاء تقنية وبشرية أثناء الاقتراع، أم بأن جزءا من الناخبين يتعمد ترك أوراقهم بطريقة تجعلها غير محتسبة تعبيرا عن عدم الرضا عن الخيارات المعروضة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى دراسة دقيقة لمحاضر مكاتب التصويت وتوزيع الأصوات الملغاة جغرافيا، ومقارنة نسبتها بين الجماعات والمكاتب، وليس الاكتفاء بالرقم الإجمالي على مستوى الدائرة، فوجود تفاوت كبير بين مكاتب التصويت، مثلا، قد يقود إلى تفسير مختلف تماما عن حالة انتشار الإلغاء بنسب متقاربة في مختلف المناطق.
وبينما أفرزت صناديق الاقتراع خمسة فائزين يمثلون خمسة أحزاب مختلفة، فإن رقم 18 ألفا و349 صوتا ملغى يظل واحدا من أكثر الأرقام إثارة للتساؤل في قراءة نتائج تازة، فهو لا يمنح في حد ذاته، حقا انتخابيا لأي طرف، ولا يمكن اعتباره تلقائيا تصويتا عقابيا، أو تصويتا احتجاجيا، لكنه يكشف عن كتلة انتخابية كبيرة لم تدخل في الحساب النهائي، ويستحق بالتالي أن يكون موضوع بحث مستقل لفهم ما جرى داخل مكاتب التصويت.
وربما تكون الرسالة الأهم أن قراءة الانتخابات لا ينبغي أن تتوقف عند أسماء الفائزين وعدد الأصوات التي حصلوا عليها، بل تمتد أيضاً إلى الأصوات التي لم تدخل أصلاً في معادلة التنافس. فخلف كل ورقة ملغاة ناخب ذهب إلى صندوق الاقتراع، لكن صوته لم يتحول إلى رقم في النتائج النهائية.
وبين الخطأ والاحتجاج والجهل بطريقة التصويت، تبقى حقيقة واحدة: 18 ألفا و349 صوتا رقم كبير بما يكفي لفتح نقاش جدي حول أسباب إلغاء هذه الأصوات، وحول ما إذا كان الأمر مجرد ظاهرة تقنية انتخابية أم مؤشرا يستحق قراءة سياسية واجتماعية أعمق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى