خمس سنوات بتاء التأنيث.. من هي المنصوري رئيسة حكومة المونديال؟ (بورتريه)

أميمة حدري

هذه المرة، لم تدخل فاطمة الزهراء المنصوري القصر الملكي بالرباط حاملة حقيبة وزارية، ولا ملفا جماعيا من ملفات مراكش، ولا عضوا مؤسسا لحزب الأصالة والمعاصرة، دخلته وهي تحمل اسما واحدا يختصر ثقل اللحظة، أول إمرأة تترأس الحكومة المغربية.

في 29 شتنبر الجاري، أسدل الستار على فصل، وارتفع الستار عن فصل آخر، حين استقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي بالرباط، وعينها رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر، والتي تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائجها.

لحظة واحدة كانت كافية لنقل المنصوري من موقع قيادة حزب سياسي إلى موقع قيادة السلطة التنفيذية، لكنها لم تكن كافية لاختصار الطريق الذي قادها إلى هناك. فخلف الصورة البروتوكولية للمرأة التي أصبحت أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب، تمتد حكاية بدأت قبل أكثر من عقدين، في مراكش، من مكتب محامية متخصصة في القانون العقاري، قبل أن تتشعب خيوطها بين الجماعة والبرلمان والحزب والحكومة.

ولدت فاطمة الزهراء المنصوري في 3 يناير 1976 بمراكش، مدينة النشأة ستتحول لاحقا إلى أكثر من نقطة على خريطة الميلاد، ستصبح مسرحا لأولى تجاربها السياسية، ومختبرا لتدبيرها المحلي، ثم عودتها إلى رئاسة مجلسها الجماعي مرة ثانية.

أما الطريق إلى السياسة، فلم يبدأ من السياسة نفسها، بدأ من القانون، حين حصلت المنصوري على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط، ثم واصلت تكوينها خارج المغرب، فنالت دبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه، وحصلت على شهادة في القانون الأنغلوساكسوني من جامعة بايس الأمريكية. تكوين متعدد المحطات، انتقل بها من الجامعة المغربية إلى المدرسة القانونية الفرنسية ثم إلى فضاء القانون الأنغلوساكسوني.

بعد الدراسة.. جاءت المهنة

في 22 مارس 2005، التحقت المنصوري بهيئة المحامين بمراكش، واختارت القانون العقاري مجالا للتخصص. هناك، بعيدا عن أضواء المؤسسات المنتخبة وواجهات الأحزاب، بدأت مرحلة مهنية ستمنحها أدوات قانونية سترافقها لاحقا في العمل العام.

لكن المحاماة لم تكن نهاية الطريق. ففي 2007، دخلت المنصوري عالم السياسة عبر حركة لكل الديمقراطيين، وبعد سنة واحدة كانت ضمن الأعضاء المؤسسين لحزب الأصالة والمعاصرة. كان الحزب حديث العهد آنذاك، وكانت المنصوري واحدة من الوجوه التي اختارت أن تضع تجربتها القانونية والمدينة التي تنتمي إليها في قلب تجربة سياسية جديدة.

ثم جاءت مراكش. ففي 2009، انتخبت فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للمجلس الجماعي لمراكش، وهي في الثالثة والثلاثين من عمرها. من تلك اللحظة، لم تعد مراكش بالنسبة إليها مدينة الميلاد فقط؛ أصبحت مسؤولية يومية، وواجهة سياسية، وامتحانا مبكرا في تدبير الشأن المحلي.

استمرت ولايتها الأولى إلى سنة 2015. وبعد سنوات، عادت إلى المقعد نفسه عقب انتخابات 2021، لتتولى من جديد رئاسة المجلس الجماعي لمراكش، في ولاية تمتد إلى 2027، وبين الرئاستين، كانت المنصوري قد فتحت بابا آخر على المستوى الوطني.

دخلت البرلمان نائبة خلال الولاية التشريعية 2011-2016، قبل أن تجدد انتخابها للفترة الممتدة من 2016 إلى 2021، وهكذا، أخذ مسارها يتسع من المدينة إلى المؤسسة التشريعية، ومن تدبير الشأن المحلي إلى المشاركة في صناعة النقاش السياسي الوطني.

ولم يكن البرلمان سوى محطة أخرى في طريق الصعود داخل “البام”، فقد تدرجت المنصوري في هياكل الحزب، وتولت رئاسة المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة بين 2015 و2024. وفي 2024، أصبحت منسقة للقيادة الجماعية للحزب، لتنتقل من موقع المسؤولية داخل المؤسسات إلى واجهة القيادة السياسية المباشرة.

وفي هذه المرحلة، لم تعد المنصوري مجرد منتخبة محلية أو برلمانية؛ أصبحت واحدة من أبرز الوجوه التي تحمل خطاب الحزب وتمثله في المحطات السياسية الكبرى.

ثم جاءت الحكومة

في أكتوبر 2021، عينت المنصوري وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ضمن الحكومة التي ترأسها عزيز أخنوش. كانت تلك لحظة انتقال جديدة: من رئاسة مدينة إلى تدبير قطاع حكومي على المستوى الوطني.

خمس سنوات قضتها في الوزارة أضافت إلى تجربتها طبقة أخرى؛ فبعد مراكش والبرلمان والحزب، صار عليها التعامل مع ملفات ترتبط بإعداد المجال والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.

وهكذا، حين وصلت المنصوري إلى سنة 2026، لم تكن تحمل سيرة سياسية بخط مستقيم، بل مسارا متشعبا تتجاور فيه مهنة المحاماة مع تدبير المدن، والعمل البرلماني مع القيادة الحزبية، والمسؤولية الحكومية مع التجربة الانتخابية.

وحتى قبل وصولها إلى رئاسة الحكومة، كان اسمها قد تجاوز الحدود المغربية. ففي 2014، اختارتها مجلة “فوربس” ضمن قائمة تضم 20 امرأة شابة مؤثرة في إفريقيا، في وقت كانت فيه تشغل منصب عمدة مراكش، وفي السنة نفسها، أدرج اسمها ضمن قائمة القادة الشباب العالميين لعام 2014.

في الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر الجاري، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا. وبعد أيام قليلة، استُدعيت المنصوري إلى القصر الملكي، حيث عينها الملك محمد السادس رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.

المنصوري متزوجة وأم لطفلين، وفي حياتها المهنية، جمعت بين التكوين القانوني والممارسة العملية، قبل أن تجعل من السياسة مهنة عامة ومسارا مؤسساتيا. لم تأت إلى رئاسة الحكومة من خلفية واحدة؛ جاءت إليها وهي تحمل تجربة المحامية والمنتخبة المحلية والبرلمانية والوزيرة والقيادية الحزبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى