اللعبة السياسية بالمغرب بين المجاملات السياسية والرسائل الرمزية

بقلم: محمد شقير

خرج الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في فيديو مصور لتبرير رفضه للقاء أول رئيسة حكومة في تاريخ المملكة فاطمة المنصوري المنسقة العامة بمقر حزب الاصالة والمعاصرة بعد دعوتها للقائه رغم أن قيادة هذا الحزب سبق وأن قامت لزيارته بمقر حزب العدالة والتنمية بعدما عين من طرف الملك محمد السادس رئيسا للحكومة بعد تصدر حزبه للانتخابات التشريعية 25 نونبر 2011 . حيث انتقلت قيادة «البام» إلى مقر حزب العدالة والتنمية للقاء ابن كيران بعد تعيينه كأول رئيس للحكومة في أول دستور في عهد الملك محمد السادس. لكن الأمين العام ابن كيران يبرر رفضه الحالي بالقول إن المنصوري هي التي طلبت اللقاء، ولذلك كان يفترض، حسب منطقه، أن تأتي هي إلى مقر الطرف الآخر، مستحضراً ممارسته عندما كان رئيساً للحكومة حين كان ينتقل إلى مقرات أو منازل الشخصيات التي يريد التشاور معها كاليوسفي والراضي والمحجوبي أحرضان بوصفهم زعماء سابقين.

 

اللعبة السياسية بين القواعد والمجاملات السياسية

على غرار باقي النظم السياسية في مختلف الدول خاصة الديمقراطية ، تقوم اللعبة السياسية في المغرب على مستويين متداخلين: قواعد رسمية، وأعراف ومجاملات سياسية غير مكتوبة. فهناك قواعد دستورية واضحة تنظم التنافس السياسي من أهمها: التعددية الحزبية والتنافس الانتخابي، وتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب، وتشكيل الحكومة على أساس ائتلافات سياسية، ووجود أغلبية ومعارضة داخل البرلمان،

 

وممارسة البرلمان للتشريع ومراقبة الحكومة وتقييم السياسات العمومية….. لكن إلى جانب هذه القواعد توجد «قواعد اللعبة» غير المكتوبة. والتي من أهمها «المجاملات السياسية» والتي تظهر في: المحافظة على قنوات التواصل بين الفاعلين حتى في لحظات الخلاف، وتجنب بعض السياسيين تحويل الخلاف إلى مواجهة شخصية أو مؤسساتية مفتوحة، وتبادل الإشارات والرسائل السياسية بدل التصريحات المباشرة أحياناً، والبحث عن التوافق في بعض الملفات الحساسة بدلاً من تحويلها إلى صراع أغلبي/معارض حاد…وهذه الممارسات لا تعني بالضرورة وجود «صفقة» أو اتفاق سري؛ فقد تكون ببساطة ثقافة سياسية تقوم على التفاوض، والاحتواء، وتجنب كسر التوازنات.

 

ف«المجاملة السياسية» ليست دائماً ضعفاً سياسياً، حيث أن هناك فرق بين المجاملة السياسية وهي الحفاظ على التواصل والاحترام وتخفيف حدة الخلاف، وبين التواطؤ السياسي وهو اتفاق غير مشروع أو غير معلن لتحقيق مصالح خاصة.لذلك، لا ينبغي اعتبار كل تسوية أو مجاملة دليلاً على وجود صفقة. بل يمكن أن تكون المجاملة نفسها أداة لإدارة الصراع: السياسي يهاجم سياسة خصمه، لكنه لا يقطع معه قنوات التواصل. ف خصوصية اللعبة السياسية بالمغرب تقوم على التنافس داخل التوافق، وعلى الصراع المنضبط داخل قواعد وحدود مؤسساتية وسياسية أوسع.وهذا يفسر أحياناً ظاهرة تبدو متناقضة: أحزاب تتنافس بشدة أثناء الانتخابات، ثم تجد نفسها مضطرة إلى التحالف أو التعاون بعد الانتخابات؛ فالدستور يجعل الحكومة في حاجة إلى ثقة مجلس النواب، وهو ما يجعل بناء الأغلبية والتفاوض بين الأحزاب جزءاً أساسياً من اللعبة. وبالتالي ،فزيارة رؤساء الأحزاب لرئيسة الحكومة في مقر حزبها يمكن أن تندرج ضمن المجاملات السياسية، حيث تكون تعبيراً عن التهنئة واحترام النتيجة والانتقال من أجواء المنافسة الانتخابية إلى العلاقات السياسية الطبيعية. بل يمكن أن تسمو إلى درجة الأخلاق السياسية، حيث أن زيارة الخصم أو المنافس السياسي بعد الانتخابات تحمل رسالة مفادها أن المنافسة لا تعني القطيعة أو العداء الشخصي. وهذه من قواعد السلوك التي تساعد على ترسيخ التعايش بين الأحزاب. كما تكمن رمزيتها خاصة بعد الانتخابات بأن هذه الزيارات تعكس انتقال العلاقة من: «نحن متنافسون في الانتخابات»

 

إلى «نحن فاعلون داخل نظام سياسي واحد».

 

عندما يزور رئيس حزب رئيسة الحكومة في مقر حزبها وليس فقط في مقر رئاسة الحكومة، فالرمزية تختلف قليلاً؛ إذ يمكن أن تعني التعامل معها في الوقت نفسه بوصفها زعيمة حزبية وشخصية سياسية، وليس فقط باعتبارها رئيسة للجهاز التنفيذي. فإذا كانت الزيارة مرتبطة بتشكيل الحكومة أو بالأغلبية البرلمانية أو بموضوعات تشريعية، فإنها تتجاوز المجاملة إلى التشاور والتفاوض السياسي.لذلك يمكن القول إن المجاملة السياسية هي الطبقة الأولى من هذه الزيارات، لكنها قد تخفي وراءها وظائف سياسية أعمق. فرفض ابن كيران زيارة مقر حزب الأصالة والمعاصرة وإن كان يمثل خروجاً عن أحد أشكال المجاملة السياسية التي عادة ما ترافق مرحلة ما بعد الانتخابات، لكنه لا يعني بالضرورة رفض قواعد التواصل السياسي أو الحوار الديمقراطي. فقد قبل مبدأ اللقاء، وإنما اعترض على مكان انعقاده. وبالتالي فلموقفه دلالة سياسية ورمزية واضحة تتمثل في أن ابن كيران يريد أن يحافظ على المسافة بين حزب العدالة والتنمية كمعارضة و حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره الحزب الذي يقود الحكومة المقبلة.ومن هذه الزاوية، يصبح اختيار مكان اللقاء نفسه جزءاً من الرسالة السياسية، وليس مجرد تفصيل بروتوكولي. فموقف ابن كيران يضعف حجة «العرف المتبادل» في المجاملات السياسية، لأن سابقة 2011 تظهر أن قيادة الأصالة والمعاصرة انتقلت إلى مقر العدالة والتنمية عندما كان ابن كيران رئيساً للحكومة. ومن ثم فإن رفضه الانتقال إلى مقر الأصالة والمعاصرة سنة 2026 يمكن قراءته باعتباره تمسكاً بمبدأ الندية الحزبية أكثر من كونه رفضاً للتواصل السياسي. فالمسألة ليست فقط من يزور من، وإنما من يملك رمزية المكان. فمقر «البام» هو في الوقت نفسه مقر الحزب الذي تقوده المنصوري، ومكان انعقاد مشاورات تشكيل الحكومة. وقبول ابن كيران بالذهاب إليه كان سيحمل رسالة تهنئة وتطبيع وتجاوز لخصومة الماضي؛ بينما رفضه يبرز استقلالية موقع العدالة والتنمية كحزب معارض.وبالتالي، إذا أخذنا معيار المجاملة السياسية ، فإن سابقة 2011 كانت تسمح لابن كيران بأن يقبل الدعوة ويذهب إلى مقر «البام»، خصوصاً أن الزيارة كانت ستتم في لحظة سياسية استثنائية: أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، وبعد انتخابات أفرزت حكومة جديدة. وهكذا ،فإ ذا أخذنا موقف عبد الإله بنكيران كما صدر في 30 شتنبر–1 أكتوبر 2026، فإن رفضه الذهاب إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة للقاء فاطمة الزهراء المنصوري لا يبدو مجرد خلاف حول المكان؛ بل يحمل عدة رسائل سياسية ورمزية. حيث أكد بنكيران أنه لا يرفض لقاء المنصوري شخصياً ولا التواصل معها بصفتها رئيسة الحكومة المكلفة، وإنما رفض أن يتم اللقاء في مقر «البام»، واقترح أن تأتي إليه، كما أكد أن قرار العدالة والتنمية عدم المشاركة في الحكومة محسوم.فأقوى رسالة رمزية التي يبطنها هذا الموقف هي أن بنكيران لا يريد أن يظهر وكأنه يتوجه إلى بيت خصمه السياسي. خاصة وأن العلاقة بين حزب العدالة والتنمية حزب لأصالة والمعاصرة كانت تاريخياً علاقة تنافس وصراع سياسي واضح. ولذلك فإن ذهاب الأمين العام لـ«البيجيدي» إلى مقر «البام» في لحظة تشكيل الحكومة كان يمكن أن يحمل، بصرياً ورمزياً، معنى مختلفاً عن مجرد لقاء تشاوري. فبنكيران يريد على الأرجح الفصل بين: احترام فطمة الزهراء المنصوري كرئيسة حكومة مكلفة و الذهاب إلى مقر الحزب المنافس.وهذه قراءة سياسية للمغزى، وليست بالضرورة النية التي أعلنها بنكيران صراحة.فقد بنى بنكيران تبريره على قاعدة بسيطة: من يطلب اللقاء هو الذي يأتي إلى الطرف الآخر.واستحضر تجربته عندما كان رئيساً للحكومة، وقال إنه كان ينتقل بنفسه إلى منازل ومقرات عدد من القيادات السياسية أثناء مشاوراته.وهنا يتحول المكان إلى مسألة مساواة بين الأطراف:اللقاء تشاوري، وليس استدعاءً لزعيم حزب إلى مقر حزب آخر.أي أن بنكيران يرفض أن تتحول المشاورات الحكومية إلى علاقة يكون فيها أحد الأطراف في موقع «الداعي» والآخر في موقع «المدعو». كما أن في موقف بن كيران رسالة إلى قواعد العدالة والتنمية.فبنكيران يعرف أن جزءاً من هوية العدالة والتنمية السياسية تشكل تاريخياً في مواجهة «البام». ولذلك فإن ظهوره داخل مقر الأصالة والمعاصرة، في بداية ولاية سياسية جديدة، كان يمكن أن يُفهم لدى بعض قواعد الحزب باعتباره إشارة تقارب أو تلييناً غير مرغوب فيه.لذلك فإن رفض المكان يساعده على المحافظة على صورة: الخصم السياسي الذي يحاور، وليس الخصم الذي يساوم على هويته. وهو نفسه استخدم عبارة مهمة جداً: «خصوم سياسيون ولسنا أعداء».وهذه العبارة في حد ذاتها تحمل رسالة: يمكن أن يكون هناك حوار بين الخصوم من دون أن يعني ذلك التحالف. كما في تصريح بن كيران رسالة إلى المنصوري: أي أنا «أحترم صفتك الجديدة، وليس بالضرورة حزبك» .فقد قال بنكيران بأنه رحب باللقاء احتراماً للتعيين الملكي ولصفة المنصوري كرئيسة حكومة مكلفة.أي أنه يحاول أن يرسم خطاً فاصلاً بين: فاطمة الزهراء المنصوري كرئيسة حكومة مكلفة و فاطمة الزهراء المنصوري كقيادية في حزب الأصالة والمعاصرة.ففي نظر بن كيران احترام الموقع المؤسساتي لا يعني بالضرورة التنازل عن الخصومة الحزبية.خاصة وأن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية قد شدد في الوقت نفسه على أن حزبه حسم مسبقاً قرار عدم المشاركة في الحكومة والتموقع في المعارضة. وبالتالي فاللقاء، من وجهة نظره، ليس تفاوضاً على الحقائب أو على الدخول إلى الأغلبية.وبذلك يحاول تثبيت موقع «البيجيدي» كمعارضة منذ البداية. لكن بالإضافة إلى مختلف هذه الرسائل السياسية التي يبطنها تصريح بن كيران ، هناك رسالة رمزية أوسع: حول من يملك «المبادرة»؟ ففي السياسة، المكان يمكن أن يصبح جزءاً من الرسالة.فلو ذهب بنكيران إلى مقر «البام»، فإن الصورة ستكون: رئيسة الحكومة المكلفة تستقبل زعيم «البيجيدي» في مقر حزبها. أما إذا انتقلت المنصوري إلى مكان يختاره بنكيران، فإن الصورة الرمزية تصبح مختلفة: رئيسة الحكومة المكلفة تنتقل إلى زعيم حزب معارض للتشاور معه.لذلك يمكن قراءة الخلاف باعتباره أيضاً صراعاً صغيراً على الرمزية والبروتوكول ومن يمتلك المبادرة، وليس مجرد خلاف لوجستي. وهكذا فالمفارقة أن رفض المكان لم يمنع بنكيران من إبقاء باب الحوار مفتوحاً.فهو لم يقل: «لن ألتقي المنصوري»، بل قال، في جوهر موقفه: لن أذهب إلى مقر البام، ويمكن أن نلتقي في مكان آخر، كما أبقى إمكانية اللقاء قائمة لاحقاً.وهذا ينسجم تماماً مع فكرة «التنافس داخل التوافق»: فالخصومة السياسية لا تعني بالضرورة قطع قنوات الاتصال. وبالتالي يمكن تلخيص رسائل بنكيران في ستة عناوين:

 

الرسالة السياسية مضمون الرسالة السياسية

 

الاستقلالية لا أريد الظهور كمن يدخل إلى مقر خصم سياسي

 

الندية المشاورات بين أطراف سياسية متساوية وليست استدعاءً

 

احترام المؤسسات أحترم المنصوري بصفتها رئيسة حكومة مكلفة

 

استمرار الخصومة الحوار لا يلغي التنافس بين البيجيدي والبام

 

تثبيت المعارضة اللقاء ليس تفاوضاً حول المشاركة في الحكومة

 

التحكم في الصورة السياسية المكان نفسه جزء من الرسالة السياسية

 

وبالتالي، فإن «معركة مقر البام» تكشف شيئاً مهماً عن اللعبة السياسية المغربية: أحياناً لا يكون الخلاف حول القرار نفسه، وإنما حول الرمزية التي ترافقه ومن يبادر ومن يستقبل وأين يتم اللقاء.

 

وهذا ما يجعل موقف بنكيران مثالاً جيداً جداً لدراسة الفرق بين القواعد الرسمية للعبة السياسية و«الأعراف والمجاملات والرموز» التي تشكل قواعدها غير المكتوبة. وفي هذا السياق يمكن فهم رفضاً مشابهاً ظهر لاحقاً لدى تحالف اليسار، الذي اعترض أيضاً على عقد اللقاء في مقر «البام» وطالب بفضاء مستقل. وهكذا ف«المجاملة السياسية» في المغرب ليست دائماً منفصلة عن صراع الرموز والندية الحزبية: فقد يتفق السياسيون على اللقاء، لكنهم يختلفون حول من يذهب إلى من، وأين يتم اللقاء، وما الرسالة التي يحملها المكان.

 

لكن ذلك لا يمنع من أنه كان من الممكن سياسياً ورمزياً أن يتم اللقاء في مقر حزب الأصالة والمعاصرة، فأهمية اللحظة تجعل المسألة تتجاوز مجرد اختيار مكان. فتعيين فاطمة الزهراء المنصوري في 29 شتنبر 2026 كان أول تعيين لامرأة رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب، وقد وصفت المنصوري نفسها اللحظة بأنها تاريخية.لذلك، لو توجه ابن كيران إلى مقر «البام»، لكان بالإمكان قراءة الزيارة على ثلاثة مستويات:

 

*مجاملة سياسية تتمثل في تهنئة رئيسة الحكومة الجديدة، رغم وجود خلاف سياسي بين الحزبين.

 

*رسالة مؤسساتية تتمثل في الاعتراف بأن المنصوري أصبحت، بعد التعيين الملكي، رئيسة للحكومة المكلفة بتشكيلها، وليس فقط قائدة حزبية في حزب منافس.

 

*رسالة رمزية للمرأة المغربية تتجسد في أن أول رئيسة حكومة في تاريخ المملكة تحظى، في لحظة توليها المسؤولية، بتواصل وتهنئة من مختلف ألوان المشهد الحزبي، بما فيها حزب ذي مرجعية سياسية مختلفة.

 

فقد كان يمكن للقاء في مقر حزب فاطمة الزهراءالمنصوري المنسقة العامة و رئيس الحكومة أن يتحول إلى لحظة مجاملة سياسية ذات حمولة رمزية كبيرة، خصوصاً لأنه أول انتقال لرئاسة الحكومة المغربية إلى امرأة؛ لكن ابن كيران فصل بين الاعتراف برئاسة الحكومة وبين قبول المكان الذي اقترحه الحزب الذي يقود الحكومة، مضيعا بذلك فرصة لصناعة لحظة رمزية تتجاوز الخلافات الحزبية. فإذا اعتبرنا أن زيارة الفائز أو رئيس الحكومة المعيّن، حتى عندما يكون الخصم السياسي، جزء من تقاليد التهنئة والتواصل بعد الانتخابات، فإن رفض الانتقال إلى مقر الحزب الفائز يمكن أن يُفهم باعتباره امتناعاً عن مجاملة سياسية كانت ستعطي صورة أكثر تصالحية عن مرحلة ما بعد الانتخابات. خصوصاً أن المنصوري أعلنت أن منهجية المشاورات تشمل جميع الأحزاب الممثلة في البرلمان، وأنها ترى الحوار عنصراً أساسياً في العمل الديمقراطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى