من طوكيو إلى الدار البيضاء: حين تتسع فجوة أسعار الوقود يصبح سؤال لوبي المحروقات مشروعاً

قراءة في العلاقة بين ثمن اللتر والقدرة الشرائية وحدود التفسير الجيوسياسي

 

بشرى عطوشي

تحليل_ أعاد فيديو لمقيم مغربي باليابان النقاش حول أسعار المحروقات بالمغرب، بعدما قارن ثمن اللتر في محطة يابانية بما يقابله بالدرهم. الفارق لافت، والأهم منه سؤال لا يمكن للشركات الفاعلة في القطاع ولا للحكومة التهرب منه: إذا كانت اليابان تستورد طاقتها من الخليج بكل مخاطره، فلماذا يدفع المغربي، وهو يتزود من أسواق متعددة، أكثر مما يدفعه المقيم في طوكيو؟

وبحسب الأرقام الظاهرة في المقطع، يقارب سعر البنزين العادي 10 دراهم للتر، والممتاز 10.8 دراهم، والغازوال بين 8.8 و9.3 دراهم. أما في المغرب فقد بلغ السعر الاسترشادي للغازوال نحو 15.81 درهماً والبنزين الممتاز نحو 15.33 درهماً بعد زيادة مطلع أكتوبر، مع اختلاف بين المدن والمحطات. وتظل هذه الأرقام مشروطة بالتحقق من تاريخ التصوير ونوع الوقود وسعر الصرف، غير أن اتساع الفجوة يكفي لطرح الأسئلة.

قصور الحجة الجيوسياسية 

وتبدو الحجة الجيوسياسية، على أهميتها، قاصرة عن تفسير كل شيء. فاليابان مرتبطة بدرجة كبيرة بإمدادات الخليج وبتقلبات المنطقة، بينما يستورد المغرب منتجات مكررة من أسواق مختلفة، وهو ما يمنح المستوردين هامشاً أوسع للتفاوض وتنويع التزود وتخفيف الصدمات.

صحيح أن الأسعار تُحتسب بالرجوع إلى المرجعيات الدولية، وأن تنويع المصادر يخفف مخاطر الإمداد أكثر مما يخفض السعر تلقائياً، لكن ذلك يجعل عبء الإثبات أثقل على من يقولون إن الغلاء مستورد بالكامل.

وهنا يبرز موقع الفاعلين المسيطرين على الاستيراد والتخزين والتوزيع. فمنذ توقف مصفاة لاسامير عن التكرير سنة 2015، صار المغرب يعتمد على الواردات من المنتجات المكررة، ولم يعد في السوق عنصر موازن إنتاجي محلي.

وفي سوق كهذه، يملك عدد محدود من الفاعلين وحدهم المعطيات الكاملة عن كلفة الشراء والنقل والتخزين وهوامش الربح، بينما يواجه المستهلك سعراً نهائياً لا يعرف مكوناته، وهذا ما يغذي الحديث عن «لوبي المحروقات» في النقاش العمومي.

مجلس المنافسة بيانات معقدة وسوق غير بريئة

وتزيد بيانات مجلس المنافسة الصورة تعقيداً دون أن تبرئ أحداً. فقد رصد المجلس، بين فاتح و16 مارس 2026، أن ارتفاع سعر الغازوال المكرر دولياً بلغ 2.92 درهم للتر مقابل زيادة محلية بنحو 2.03 درهم، أي انتقال جزئي للزيادة، بينما ارتفع البنزين دولياً بنحو 1.26 درهم مقابل زيادة محلية بلغت 1.43 درهم.

كما لاحظ اختلافاً في أسعار البيع بين الموزعين وتقارباً في أسعار محطات التجزئة داخل المحيط الواحد. هذه الأرقام تؤكد أن التسعير ليس عملية آلية، وتطرح السؤال المحوري: هل يصل انخفاض الأسعار الدولية إلى المستهلك بالسرعة التي تصله بها الزيادات؟

ولا يمكن الجزم، استناداً إلى هذه المعطيات وحدها، بوجود تواطؤ أو ممارسات احتكارية، فذلك يتطلب أدلة وقرارات رقابية محددة.

لكن غياب الدليل لا يعني غياب المسؤولية السياسية والاقتصادية عن فجوة تثقل ميزانيات الأسر والمهنيين، ولا سيما أن الغازوال يدخل في نقل الخضر واللحوم والأسماك وكلفة الخدمات اللوجستية، فتمتد آثاره إلى أسعار السلع الأساسية.

والمطلوب اليوم أن تعلن الشركات والحكومة بنية السعر النهائي بين كلفة الشراء والنقل والتخزين والضرائب وهوامش التوزيع، وأن تنشر هوامش الربح وسرعة تمرير الانخفاضات الدولية، وأن يُمكَّن مجلس المنافسة من الأدوات والصلاحيات لإجراء تحقيقات دورية ومعلنة. فالمستهلك لا يطالب بإلغاء منطق السوق، بل بسوق شفافة لا تحجب مكوناتها.

هذا و قد لا يقدم الفيديو مقارنة مكتملة، لكنه يضع الأصبع على السؤال الذي يتهرب منه القطاع: حين تتوفر للمغرب مصادر متعددة للتزود، من يستفيد فعلياً من هذا الامتياز، المواطن أم حلقات الوساطة والتوزيع؟ وإلى أن تُنشر الأجوبة بالأرقام، سيبقى الاتهام الموجه إلى لوبي المحروقات حاضراً، ويبقى على الشركات والجهات الرقابية عبء تفنيده بالوقائع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى