الاستحقاقات البرلمانية وتدبير الشأن المحلي.. هل تنتقل حسابات الحكومة إلى الجماعات؟
بين إعادة تشكيل التوازنات السياسية وضمان استمرارية المرفق العام

بشرى عطوشي
تحليل_ مع انطلاق مفاوضات تشكيل الحكومة وإعادة ترتيب صفوف الأغلبية والمعارضة، يبرز سؤال يهم المواطن قبل السياسي: هل تمتد تداعيات هذه التحولات إلى المجالس الجماعية المكلفة بالنظافة والإنارة والنقل وإنجاز المشاريع المحلية؟ الجواب القانوني واضح، فلا تغيير تلقائياً. أما الجواب السياسي فأكثر تعقيداً، ويتوقف على مدى تماسك التحالفات المحلية.
فالقانون يميّز بين مسارين منفصلين. تتشكل الحكومة بناءً على نتائج الانتخابات التشريعية والمساطر الدستورية المنظمة لتعيين رئيسها وأعضائها، بينما تستمد المجالس الجماعية تركيبتها من الانتخابات الجماعية ومن القواعد المنظمة لانتخاب أجهزتها. ولذلك فإن انتقال حزب من الأغلبية الحكومية إلى المعارضة، أو العكس، لا يغيّر بحد ذاته تركيبة أي مجلس جماعي ولا موقع الحزب داخل أغلبيته المحلية.
غير أن هذا الفصل المؤسساتي لا يلغي احتمال أن يمتد أثر التنافس الوطني إلى المستوى الترابي. فقد تدفع نتائج المفاوضات الحزبية بعض الأطراف إلى مراجعة تحالفاتها المحلية أو إعادة تقييم علاقتها بشركائها في التسيير، خصوصاً حين تتقاطع المصالح الانتخابية الوطنية مع التنافس على رئاسة المجالس أو على تدبير المشاريع والموارد. وفي هذه الحالة قد يتحول الخلاف السياسي إلى توتر داخل المجلس، يضعف قدرته على إنتاج التوافقات اللازمة لاتخاذ القرار.
ويظهر الأثر المحتمل أساساً في وتيرة اتخاذ المقررات وانتظام أشغال المجالس، ثم في المصادقة على البرامج والميزانيات وتتبع تنفيذ المشاريع. وتلعب قوة الأغلبية المحلية هنا دورها الحاسم: فحين تكون متماسكة تظل آثار الخلافات الوطنية محدودة، أما إذا قامت على تفاهمات ظرفية فقد يفاقم تغير التوازنات الحزبية الانقسامات ويعقّد الملفات التي تتطلب توافقاً أو تنسيقاً مستمراً بين مكونات المجلس.
ولا تقف المسألة عند السياسة. فالمواطن لا يقيس أداء المنتخبين بمواقع الأحزاب في خريطة الأغلبية والمعارضة، بل بانتظام خدمات النظافة والإنارة والنقل والتجهيزات الجماعية، وبسرعة إنجاز المشاريع المبرمجة والاستجابة لحاجياته اليومية. ومتى ثبت أن تعثر قرار أو تأخر برنامج يعود إلى خلافات سياسية، فإن السؤال عن التوفيق بين الحسابات الحزبية ومتطلبات المصلحة العامة يصبح مشروعاً.
في المقابل، لا يصح اعتبار كل تأخر في المشاريع أو كل خلاف داخل مجلس جماعي نتيجة مباشرة للاستحقاقات البرلمانية. فقد تكون الأسباب مالية أو تقنية أو إدارية، أو مرتبطة بتعقيدات الصفقات العمومية وصعوبات التنسيق بين المتدخلين. ويقتضي التحليل الموضوعي الفصل بين التأثير السياسي المحتمل وهذه العوامل، وتفادي التعميم دون معطيات قابلة للتحقق في كل جماعة على حدة.
استقلالية التدبير الجماعي وإلزامية الرقابة والمساءلة
ويكتسي مبدأ التدبير الحر الذي يقره الدستور للجماعات الترابية أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه يكرّس استقلالية تسييرها في إطار الدستور والقانون، مع خضوعها للرقابة والمساءلة المحددتين قانوناً. كما أن توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات يفرض تنسيقاً مؤسساتياً مستمراً مهما اختلفت الانتماءات الحزبية. ومن هنا، لا ينبغي أن يظل استقرار التدبير المحلي رهينة تقلبات التحالفات، بل أن يقوم على احترام الاختصاصات وانتظام عمل المؤسسات واستمرارية المرافق العمومية.
وتقع المسؤولية على طرفين. فعلى الأحزاب أن تفصل بين التزاماتها الوطنية وحساباتها المحلية، حتى لا تعطّل خلافات تشكيل الحكومة أو تدبير المعارضة مصالح المواطنين. وعلى المجالس المنتخبة أن تحافظ على استمرارية العمل المؤسساتي، وتدبّر الاختلاف بالآليات القانونية، وتُخضع قرارها للمصلحة العامة بعيداً عن التوظيف الانتخابي وإعادة توزيع النفوذ.
وللانتقال من التوقعات العامة إلى تقييم قائم على الوقائع، تستدعي المرحلة التي تلي الاستحقاقات رصد مؤشرات عملية، أبرزها انتظام دورات المجالس، والمصادقة على المقررات والميزانيات، واستمرار تنفيذ المشاريع، وتطور التحالفات المحلية، ومدى انعكاس الخلافات السياسية على جودة الخدمات العمومية. فهذه المؤشرات تحدد طبيعة التأثير وحجمه وحدوده، بدل الاكتفاء بربط آلي بين نتائج الانتخابات الوطنية وأداء المؤسسات الترابية.
وعموما، لا يكمن التحدي في تغير مواقع الأحزاب بين الأغلبية والمعارضة، بل في قدرة المنظومة المنتخبة على ضمان استمرارية التدبير المحلي رغم التحولات السياسية. فالمجالس مطالبة بمواصلة أداء اختصاصاتها وفق القوانين والبرامج المقررة، والأحزاب مسؤولة عن تدبير خلافاتها دون الإضرار بمصالح السكان. وبين منطق التنافس الحزبي ومتطلبات التنمية، يبقى المحك هو قدرة المؤسسات على تحويل التفويض الانتخابي إلى خدمات ومشاريع وقرارات ملموسة، دون أن تصبح الجماعات امتداداً للصراعات الوطنية أو رهينة لتقلب التحالفات.





