الولاية التشريعية الجديدة..إرث ثقيل من الملفات الكبرى في غرفة الانتظار

بشرى عطوشي

تُستهل الولاية التشريعية الجديدة هذا الجمعة في ظل إرث ثقيل من الملفات. فبينما أقرّ المجلس المنتهية ولايته 237 مشروع قانون خلال خمس سنوات، ظلت عدة إصلاحات كبرى – ولا سيما تلك المتعلقة بأنظمة التقاعد ومدونة الشغل ومدونة الأسرة – دون إنجاز نهائي.

ووصلت نصوص أخرى – تتعلق بالحماية الاجتماعية والصحة والصناعة والمناخ – إلى مراحل متفاوتة من الإعداد أو الدراسة التشريعية.

وبالنسبة للنواب الـ 395 الذين انتُخبوا في 23 سبتمبر، يتمثل الرهان في المضي قدماً لإتمام الإصلاحات غير المكتملة، ومراقبة نتائج الإصلاحات التي انطلقت بالفعل في آن واحد.

تتغير الولاية التشريعية، لكن الملفات تظل قائمة. ففي الوقت الذي يبدأ فيه مجلس النواب الجديد مهامه، لا تزال هناك إصلاحات هيكلية تنتظر الحسم بشأنها. وفي غضون ذلك، كانت هناك نصوص أُودعت خلال الأشهر الماضية ولم تستكمل مسارها التشريعي عند اختتام الولاية السابقة. ويُضاف إلى هذا الإرث السياسات العمومية التي انطلقت بالفعل، والتي سيستمر تنفيذها في استقطاب اهتمام العمل البرلماني.

تعكس حصيلة الولاية التشريعية (2021-2026) حجم العمل المنجز؛ إذ واكب المجلس المنتهية ولايته – عبر إقرار 237 مشروع قانون خلال 128 جلسة عامة وتقديم أكثر من 14 ألف تعديل – إصلاحات هامة شملت مجالات متعددة، بدءاً من الحماية الاجتماعية والاستثمار، ووصولاً إلى الصحة وحكامة المؤسسات العمومية وممارسة الحق في الإضراب. غير أن هذا الإنتاج التشريعي يكشف أيضاً عن وجود أوراش لم تكتمل بعد.

وهكذا، تتشكل الأجندة البرلمانية الجديدة على مستويات عدة، تتراوح بين إصلاحات هيكلية لا تزال قيد التفاوض، ونصوص لم يتضح بعد مسارها التشريعي، وتدابير أُقرت بالفعل وسيتعين تقييم نتائجها في المرحلة المقبلة. دون ادعاء الإحاطة الشاملة، تتيح عدة ملفات قياس حجم وتنوع الأوراش التي يرثها البرلمان الجديد.

الحوار الاجتماعي: الإصلاحات الهيكلية لا تزال مفتوحة
يُعد الحوار الاجتماعي أحد الخيوط الرئيسية للاستمرارية بين الولايتين التشريعيتين؛ فقد أتاحت الاتفاقيات المبرمة في أبريل 2022 وأبريل 2024 الشروع في تدابير تتعلق بالأجور والضرائب، إلا أن المفاوضات لم تفضِ إلى إنجاز كافة الإصلاحات الهيكلية المعلن عنها.

ويظل إصلاح أنظمة التقاعد الملف الأبرز في هذا الصدد؛ فعلى الرغم من الأعمال التقنية والمناقشات التي أُجريت مع الشركاء الاجتماعيين، لم يتم اعتماد أي إصلاح شامل للنظام عند اختتام الولاية التشريعية السابقة. وبالتالي، لا تزال هناك حاجة للحسم في قضايا تتعلق بالاستدامة المالية للأنظمة، وتقاربها، والحفاظ على حقوق المنخرطين.

وتشكل مراجعة مدونة الشغل ورشاً كبيراً آخر لا يزال معلقاً؛ ففي حين تمت دراسة تعديلات جزئية، لم يكتمل الإصلاح الشامل.

ويُعد مشروع القانون رقم 032.26 -المتمم للمادة 193 من القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل- من بين النصوص التي اعتمدها مجلس النواب في قراءة أولى خلال الولاية التشريعية السابقة. ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بينه وبين المراجعة الشاملة للمدونة، التي تندرج ضمن ورش أوسع بكثير.

وهكذا، ترث الولاية التشريعية الجديدة إصلاحين اجتماعيين سيعتمد إنجازهما في المقام الأول على المفاوضات بين الحكومة والنقابات وأرباب العمل. وسيتدخل البرلمان لاحقاً لدراسة النصوص المحتملة الناجمة عن ذلك، مع مواصلة مراقبة تنفيذ الالتزامات التي تم التعهد بها بالفعل.

مدونة الأسرة: الترجمة التشريعية لا تزال قيد الإنجاز

ثمة إصلاح رئيسي آخر ظل غير مكتمل، وهو إصلاح مدونة الأسرة. لقد قطع هذا المشروع، الذي انطلق بتوجيه ملكي، عدة مراحل من التشاور والإعداد، ولا سيما مع تقديم مقترحات المراجعة في ديسمبر 2024؛ حيث كُلِّفت لجنة وزارية مشتركة بصياغتها في قالب قانوني. غير أن مشروع الإصلاح لم يُعرض على البرلمان قبل اختتام الولاية التشريعية الحادية عشرة. ومن ثم، سيتمثل التحدي بالنسبة للمجلس الجديد في دراسة النص فور الانتهاء من إعداده وإحالته إليه؛ إذ يظل الإصلاح رهناً بتحويله إلى نصوص تشريعية، وهي خطوة أولية لا غنى عنها لبدء النقاش البرلماني.

الحماية الاجتماعية: آليات بحاجة إلى تعزيز

تتخذ الحماية الاجتماعية شكلاً مختلفاً؛ فقد شهد إطارها القانوني تطورات هامة خلال الولاية التشريعية السابقة، لا سيما مع تعميم التأمين الإجباري عن المرض وإرساء نظام الدعم الاجتماعي المباشر. ومع ذلك، لا تزال التعديلات التشريعية مستمرة؛ إذ خضع مشروع القانون رقم 041.26 -الذي يعدل ويتمم القانون رقم 58.23 المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر- للدراسة البرلمانية في عام 2026، مما يعكس استمرار التعديلات المدخلة على هذه المنظومة.

وبعيداً عن هذه التعديلات، ينبغي أن ينصب العمل البرلماني على نتائج الآليات التي تم تفعيلها بالفعل. وتُعد جوانب مثل الوصول الفعلي إلى الخدمات، وتغطية الفئات المعنية، والتمويل، وجودة الخدمات، محاورَ يمكن من خلالها ممارسة الرقابة على العمل الحكومي. فتعميم الحماية الاجتماعية لا يقتصر، في الواقع، على التوسع القانوني في الحقوق، بل يقتضي تمكين المستفيدين فعلياً من الحصول على الخدمات وضمان استدامة آليات التمويل. وعلى هذا الصعيد، ينبغي مواصلة تقييم الإصلاحات التي تم إطلاقها.

الصحة: ​​الإصلاح المؤسساتي يتواصل عبر النصوص التشريعية
أدت عملية إعادة هيكلة النظام الوطني للصحة، هي الأخرى، إلى إقرار عدة قوانين هيكلية، غير أن مواكبتها التشريعية لم تكتمل بعد؛ فقد أُودع مشروع القانون رقم 052.26 المتعلق بالنظام الوطني المندمج للمعلومات الصحية بتاريخ 31 يوليو 2026، وكان مدرجاً -في السجلات الأخيرة للولاية التشريعية السابقة- ضمن النصوص التي لم تستكمل دراستها.

وتتناول هذه الآلية جانباً جوهرياً من الإصلاح، يتمثل في تنظيم وتداول البيانات اللازمة لسير عمل المنظومة الصحية. ومن النصوص الأخرى الجديرة بالذكر، مشروع القانون رقم 045.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 08.12 المتعلق بالهيئة الوطنية للأطباء، والذي صادق عليه مجلس النواب في قراءة أولى خلال الولاية التشريعية المنتهية.

وتُبرز هاتان القضيتان استمرار ورش إصلاح القطاع الصحي بما يتجاوز القوانين الكبرى لإعادة التنظيم التي تم التصويت عليها بالفعل. كما تظهران أن الإصلاح بات يركز الآن على جوانب أكثر إجرائية وعملياتية، مثل حكامة المهن الصحية، وتنظيم المعلومات الصحية، والتنسيق بين مختلف مكونات المنظومة. غير أن الرقابة البرلمانية يجب أن تنصب أيضاً على نتائج التحول الجاري تنفيذه، ولا سيما ما يتعلق بتوفر المهنيين، وسير عمل المؤسسات الصحية، والولوج إلى العلاجات، وتقليص التفاوتات المجالية؛ وهي قضايا يتعين على الآليات الجديدة أن تثبت فعاليتها في معالجتها.

الاستثمار والصناعة: أطر قانونية بانتظار الاستكمال

على الصعيد الاقتصادي، واكبت الولاية التشريعية السابقة اعتماد ميثاق الاستثمار الجديد وإقرار عدة إصلاحات تهم المؤسسات والمقاولات العمومية. إلا أن بعض النصوص ذات الطابع التقني لم تستكمل مسارها التشريعي عند اختتام الولاية. وينطبق هذا بالخصوص على مشروع القانون رقم 22.25 المتعلق باعتماد هيئات تقييم المطابقة، الذي أودع في فبراير 2026 وجرت دراسته داخل اللجنة المختصة خلال شهري مايو ويونيو. وتتعلق هذه الآلية بالاعتراف بكفاءة الهيئات المكلفة، على وجه الخصوص، بعمليات الاختبار والتفتيش وإصدار الشهادات؛ وهي تمس بذلك جانباً جوهرياً من البيئة الصناعية، ألا وهو موثوقية عمليات المراقبة ومطابقة المنتجات لمتطلبات الأسواق.

وبعيداً عن هذه الأطر القانونية، يكمن الرهان في قياس أثر الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقت بالفعل. إذ تشكل الاستثمارات المنجزة فعلياً، ومناصب الشغل المحدثة، وآجال معالجة المشاريع، وولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى آليات المواكبة، والتوزيع المجالي للمنافع الاقتصادية، مؤشراتٍ من شأنها إثراء العمل البرلماني ودعمه. تتطلب عملية إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية متابعة مستمرة، لا سيما فيما يتعلق بقضايا الحكامة والأداء وتعبئة الموارد؛ إذ لا يكفي وجود إطار تشريعي جديد لاستنفاد دور البرلمان، بل لا بد أيضاً من القدرة على تقييم نتائجه.

المناخ والكربون: تدابير جديدة قيد الإعداد

يُعد الانتقال المناخي مجالاً آخر من شأنه أن يثري أشغال الولاية التشريعية الجديدة. وفي هذا السياق، أُودع مشروع القانون رقم 05.26 المتعلق بنظام الأرصاد الجوية والمناخ -والذي ينص على إحداث الوكالة المغربية للأرصاد الجوية والمناخ- لدى مجلس النواب في شهر أغسطس 2026، علماً بأنه كان مدرجاً في سجلات الولاية التشريعية المنتهية ضمن النصوص التي لم تكتمل دراستها. وتُضاف إلى هذا الإجراء مسودة مشروع القانون رقم 62.25 المتعلق بالتغيرات المناخية وتنظيم سوق الكربون، والذي طُرح للتشاور  في شهر سبتمبر الماضي.

يهدف النص، على وجه الخصوص، إلى تنظيم آليات سوق أرصدة الكربون، وتعزيز تتبع مسارها، وتأطير مشاركة المغرب في الآليات الدولية المنصوص عليها في اتفاقية باريس. ومع ذلك، فإن الآليتين لا تقعان في المرحلة نفسها؛ فقد سبق إيداع الأولى لدى البرلمان، بينما كانت الثانية لا تزال قيد التشاور العام وقت نشرها. ويُظهر مصير هاتين الآليتين تنوع الأطر القانونية المخصصة لمواكبة التحول المناخي، والتي تتراوح بين التنظيم المؤسسي والضبط الاقتصادي.

مشروع قانون المالية لسنة 2027: محطة ميزانياتية أولى

يُضاف إلى هذا الإرث التشريعي استحقاق وشيك: مشروع قانون المالية لسنة 2027. لقد بدأ إعداد هذا المشروع قبل الانتخابات، وذلك في إطار المساطر الميزانياتية والبرمجة متعددة السنوات للمالية العمومية. وبالتالي، سيتعين على الحكومة الجديدة التعامل مع عمل تأطيري متقدم بالفعل، مع تحديد توجهاتها الخاصة في الوقت ذاته.

وبالنسبة للمجلس الجديد، سيشكل فحص الميزانية أول تمرين هام لمناقشة الأولويات العمومية؛ إذ ينبغي أن تنعكس قضايا الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتشغيل والاستثمار في المخصصات الميزانياتية والآليات المقترحة. كما سيتيح النقاش قياس الحيز المخصص للتوجهات الحكومية الجديدة، في ظل الموازنة بين مواصلة الإصلاحات التي أُطلقت وبين الإكراهات المالية.

إرث تشريعي متفاوت المراحل

في ختام الولاية التشريعية السابقة، لم تكن جميع الملفات في المرحلة نفسها؛ فقد ظلت بعض الملفات -مثل أنظمة التقاعد والمراجعة الشاملة لمدونة الشغل- رهينةً للمفاوضات والقرارات التحكيمية. في حين كانت ملفات أخرى -مثل “المدونة” (مدونة الأسرة)- لا تزال تنتظر صياغتها في شكل مشروع قانون.

كما تم إيداع أو دراسة نصوص قطاعية متعددة دون استكمال مسارها التشريعي بالكامل، بينما دخلت إصلاحات عديدة -صودق عليها بالفعل- مرحلة التنفيذ.

يطرح تجديد المجلس أيضاً تساؤلاً حول مصير النصوص التشريعية التي لم يُستكمل النظر فيها؛ إذ توضح الحالات الأخيرة المسجلة في قواعد البيانات البرلمانية مسار هذه النصوص خلال الولاية التشريعية المنتهية، دون الحسم مسبقاً في كيفية استئناف مناقشتها المحتملة.

غير أنه بمعزل عن هذه المسألة الإجرائية، تظل الملفات الجوهرية قائمة؛ فالعمل البرلماني لا يُقاس بمجرد عدد القوانين المُقرّرة، بل يُقيَّم أيضاً بناءً على قدرة المنتخبين على متابعة تنفيذ تلك القوانين، وتقييم آثارها، ومساءلة الجهات المعنية بشأن الالتزامات التي تم التعهد بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى