الخطاب الملكي يفتح الولاية التشريعية الجديدة:المغرب أمام منعطف تاريخي..لا تأخير في اللامركزية وشراكة الهجرة بلا ابتزاز

بشرى عطوشي
جلالة الملك يوجه خطاباً سامياً بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، مؤكداً على إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، وحاسماً في ملف الهجرة بأن الشراكة “سيادية” ولا تقبل الابتزاز، ومشدداً على أن “التماطل” في اللامركزية لم يعد مقبولاً.
متابعة – وجه جلالة الملك محمد السادس، اليوم الجمعة، خطاباً سامياً بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة لمجلس النواب، رسم فيه خارطة طريق دقيقة للمرحلة المقبلة، مزاوجاً بين الاعتزاز بالمكتسبات الوطنية والدعوة الملحة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية. وقد تميز الخطاب بتوجيهات حاسمة على مستوى تدبير الشأن الداخلي، لاسيما فيما يتعلق باللامركزية الإدارية، وبمواقف سيادية واضحة تجاه الشركاء الدوليين في ملف الهجرة.
ظرفية استثنائية والاعتزاز بالهوية كرافعة للمسؤولية
استهل جلالة الملك الخطاب بتهنئة أعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين، مشدداً على أن الولاية الجديدة تأتي في “ظرفية استثنائية، حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر”. ودعا جلالته إلى أن تشكل هذه الولاية “منعطفاً حقيقياً” لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة، في توازن بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وفي سياق متصل، جدد جلالة الملك التأكيد على اعتزازه العميق بمغربيته، مستحضراً مقولته الشهيرة سنة 2014: “إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي”. وشدد جلالته على أن هذا الاعتزاز ليس للتباهي، بل هو “الحافز الذي يحوّل الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني”، مبرزاً عراقة الأمة المغربية وتميز هويتها الحضارية والدينية.
إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى
انتقل الخطاب الملكي إلى الرهانات التنموية، حيث دعا جلالته، في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات، إلى إطلاق “جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى”. وتشمل هذه الاستراتيجيات مجالات حيوية تتمثل في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.
كما نوه الخطاب إلى ضرورة التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، موجهاً نداءً صريحاً إلى القطاع الخاص الوطني للارتقاء إلى “فاعل استراتيجي” في التحول التنموي، ليكون أكثر ابتكاراً وقدرة على خلق فرص الشغل. وفي هذا الصدد، شدد جلالته على وجوب وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، عبر تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص والإدماج الاقتصادي.
الجهوية واللامركزية.. “لا تأخير ولا تماطل”
شكل ملف التنمية الترابية واللامركزية الإدارية أحد أبرز محاور الخطاب صرامةً ووضوحاً. وأكد جلالة الملك أن النهوض بالتنمية المندمجة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار الجهوية المتقدمة.
وسجل جلالته بأسف أن “التأخير والاختلالات التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، تنعكس سلباً على برامج التنمية”. وبناءً عليه، وجه جلالته رسالة حاسمة مفادها أنه “لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز”، مطالباً بنقل فعلي للصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات، ووضع حد للعراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة.
الدبلوماسية وملف الهجرة: شراكة سيادية بلا ابتزاز
على الصعيد الدولي، أكد الخطاب الملكي أن المغرب ترسخ مكانته كشريك “مسؤول وموثوق”. غير أن جلالة الملك أقر بكل شجاعة وموضوعية بأن “النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزاً”.
وفي إشارة إلى الشراكة مع الجارة إسبانيا والاتحاد الأوروبي، أشار جلالته إلى أن التعاون يواجه تحديات كبيرة بسبب “مقتضيات قانونية متجاوزة وقرارات قضائية بعيدة عن الواقع”، تحول دون ترحيل القاصرين ومنتحلي صفة اللجوء.
وحسم جلالة الملك الجدل الدائر حول هذا الملف برسالة سيادية واضحة: “الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”. وكشف جلالته أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن “رؤية استراتيجية واضحة وعملية” تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة.
الانتداب البرلماني: تعاقد أخلاقي وسياسي
واختتم جلالة الملك خطابه السامي بتذكير البرلمانيين بطبيعة مهمتهم، مؤكداً أن الانتداب البرلماني ليس مجرد منصب، بل هو “التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي يربطكم بالمواطنين”، داعياً إياهم إلى أن يكونوا في مستوى هذه المسؤولية الوطنية أمام الله وأمام الوطن.
خلفية .. سياق
يأتي هذا الخطاب السامي في وقت يستعد فيه المغرب لاستحقاقات تنموية كبرى، ويعزز فيه مكانته كقطب اقتصادي وسياسي مستقر في المنطقة، مما يجعل مضامين هذا الخطاب مرجعية أساسية لعمل الحكومة والبرلمان خلال السنوات الخمس المقبلة.





