الاقتصاد المغربي أمام المنعطف الجديد.. هل تنجح الحكومة في رهان النجاعة وإعادة هيكلة الموارد؟

ياسر الرقاص
يدخل الاقتصاد المغربي مرحلة فارقة ومنعطفا جديدا عقب تنصيب ولاية حكومية تجمع بين الرمزية السياسية للكتلة والأغلبية، وبين الكفاءات التكنوقراطية.
وتأتي هذه المرحلة في وقت تتزايد فيه حدة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي أثقلت كاهل المواطن المغربي وأثرت بشكل مباشر على قدرته الشرائية.
وفي ظل هذه التبعات، تطرح أسئلة ملحة في الشارع وفي الأوساط الاقتصادية حول مدى نجاعة الحكومة الحالية في إيجاد حلول عملية وابتكار طرق تمويلية جديدة، أم أنها ستسقط في فخ تكرار سيناريوهات المشهد الاقتصادي الذي شهدته المملكة خلال الـ 15 سنة الماضية؟
معضلة النجاعة والأداء قبل التمويل
وتعليقا على هذا المسار، يرى المحلل الاقتصادي ومدير المركز المغربي للحكامة والتسيير، يوسف كراوي الفيلالي، أن الحكومة الحالية تستند إلى قوة سياسية وثقل في الأغلبية مدعوم ببروفايلات تكنوقراطية، مؤكدا أنه رغم “التشويش” الذي يرافق بدايتها، إلا أنها تملك مقومات المضي قدما في تنفيذ برنامجها المعلن عنه.
ويوضح الفيلالي أن الأزمة الاقتصادية الراهنة ليست أزمة تمويل بقدر ما هي “أزمة أداء ونجاعة” فالإشكال الأساسي، بحسب التحليل الاقتصادي، يتجلى في كفاءة توجيه الاستثمارات؛ إذ يقارب المجهود الاستثماري الإجمالي في المملكة 380 مليار درهم، لكنه يعاني من ضعف المردودية في خلق فرص الشغل المستدامة ومنح الدفعة المطلوبة للنسيج المقاولاتي.
ويرى فيلالي أن معالجة هذا الخلل يتطلب التوجه الصارم نحو “الاستثمارات المنتجة” ورفع مستوى الإنتاجية لدى المقاولات، لكونها العصب المحرك للنمو.
فارتفاع معامل معاملات المقاولات وانتعاش مبيعاتها ينعكس تلقائيا على تحسين التحصيل الضريبي وتنويع الموارد المادية للدولة، في إطار سلسلة اقتصادية مترابطة تُقاس مخرجاتها بالتقييم والتتبع المستمرين.
وفي مجرى البحث عن مصادر التمويل الكفيلة بإخراج الاقتصاد الوطني من دائرة الضغوط، تشير القراءة الاقتصادية إلى نقطتين جوهريتين يمكن للحكومة الاعتماد عليهما
باعتبار الموارد الضريبية والجبائية تشكل أزيد من 80% من إجمالي موارد الدولة، فإن الفرصة الحقيقية تكمن في دعم النسيج المقاولاتي، ولا سيما المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا (TPME)، وخلق جيل جديد من المقاولات ذات الإنتاجية العالية. هذا الخيار سيضمن تدفقات ضريبية إضافية ومستدامة بدلاً من فرض أعباء جديدة على المواطنين.
ويستوجب الواقع المالي الحالي إعادة النظر في هيكلة النفقات العمومية، إذ تستحوذ كتلة أجور الموظفين على نحو 56% من نفقات التسيير، مما يتطلب تقنين وعقلنة الاعتمادات المالية الموجهة لقطاعات غير إنتاجية مثل (الفندقة، الإيواء، التنقل، والمصاريف الإدارية الثانوية).
إن الضبط الصارم لهذه البنود والحد من أشكال التبذير سيوفر هامشا ماليا يعاد تكوينه بهدف التمكين الاقتصادي للشباب وتحسين وضعيتهم المالية والاجتماعية.
وتجد الحكومة نفسها اليوم أمام حتمية الانتقال من منطق الكم الاستثماري إلى منطق الكيف والنجاعة،
ويظل نجاح الرهان الحكومي حسب المحلل الاقتصادي رهينا بإيجاد حلول جذرية وقطع الصلة مع الحلول الترقيعية واستنساخ تجارب السنوات الماضية.
وذلك من خلال الجرأة في ترشيد النفقات الحكومية، وإعادة توجيه الميزانيات ونفقات الاستثمار نحو دعم المقاولة المحلية وخلق الثروة، بما يضمن صياغة نموذج تنموي ناجع يلامس الأثر المباشر على جيب المواطن.




