أي دور للمجتمع المدني في رسم سياسة وطنية شاملة للتدخل عند الكوارث الطبيعية؟

أميمة حدري: صحافية متدربة

لم تعد الكوارث الطبيعية، في سياق التحولات المناخية المتسارعة، مجرد أحداث عابرة تختزل في أرقام الخسائر وصور الدمار، بل أضحت لحظات كاشفة لعمق العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولمدى جاهزية النسيج المدني للاضطلاع بأدواره في زمن الشدائد. ففي كل أزمة كبرى، ينكشف معدن المجتمعات، وتتحدد قدرة الفاعلين، الرسميين والمدنيين، على الانتقال من رد الفعل الآني إلى الفعل المنظم، ومن الاندفاع العاطفي إلى التدبير الرشيد والمسؤول.

وفي المغرب، حيث تتقاطع قيم التضامن المتجذرة في الوعي الجماعي مع تحولات مؤسساتية متواصلة، يبرز المجتمع المدني بوصفه أحد الأعمدة الصامتة في معادلة تدبير الأزمات. فالجمعيات، بما تملكه من قرب اجتماعي ومعرفة ميدانية وحس إنساني، لم تعد مجرد فاعل ثانوي يستدعى عند الحاجة، بل أصبحت حلقة وصل حاسمة بين الدولة والمواطن، وصوتا مكملا للفعل العمومي في لحظات الاختبار القصوى.

من التضامن العفوي إلى الفعل المنظم

وكشفت الأزمات المتعاقبة، من زلازل وفيضانات وسيول، أن التضامن الشعبي وحده، مهما كان صادقا وعفويا، لا يكفي لمواجهة الكوارث بأبعادها المعقدة، وأن العمل المدني لا يحقق نجاعته القصوى إلا حين يتحول من مبادرات مشتتة إلى فعل مؤطر، مندمج في رؤية وطنية شاملة، تقوم على التنسيق، واحترام القانون، وتكامل الأدوار. ففي زمن الكوارث، لا مجال للعشوائية ولا للاجتهادات الفردية غير المحسوبة، بل تفرض اللحظة منطق التنظيم والانضباط، حماية للأرواح وصونا للكرامة الإنسانية

ولا يمكن الحديث عن دور المجتمع المدني في الأزمات، دون استحضار البعد القانوني والدستوري الذي يؤطر هذا التضامن ويمنحه صفة إلزامية، بعيدا عن الطابع التبرعي أو الاختياري. ففي قلب هذا النقاش يبرز الفصل 40 من دستور 2011 كمرجعية قانونية وأخلاقية، حيث ينقل “التضامن”من سياقه التبرعي إلى أفق “الواجب الدستوري الملزم”، وفق نصه الصريح: “على الجميع أن يتحمل بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”.

هذا النص لا يمنح المجتمع المدني دورا إضافيا فحسب، بل يؤطره في إطار قانوني وأخلاقي واضح، ويجعل من التضامن واجبا جماعيا وطنيا، بحيث تتحول روح المساعدة والتطوع إلى ممارسة منظمة ومسؤولة تساهم في حماية الأرواح والممتلكات، وتستجيب لمتطلبات الأمن الاجتماعي والوطني.

ويبقى السؤال الجوهري الذي تفرضه هذه التجربة الوطنية المتراكمة، هو كيف يمكن تحويل الطاقة الشعبية الهائلة للتضامن والتطوع في المغرب إلى قوة منظمة، مؤطرة، ومكونة، قادرة على الاشتغال بانسجام مع المؤسسات الرسمية، وتعزيز دور المجتمع المدني في حماية المواطنين قبل وقوع الكارثة وليس بعد وقوعها؟.

وفي جوابها على هذدا السؤال، أكدت لبنى العموري، الفاعلة الجمعوية ورئيسة مؤسسة لبنى العموري للأعمال الخيرية، أن جمعيات المجتمع المدني باتت تشكل “العين الثالثة” للسلطات العمومية ومؤسسات الدولة عند وقوع الكوارث الطبيعية، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تضطلع به في الميدان، سواء على مستوى القرب من الساكنة أو في ما يتعلق بالتدخلات الإنسانية والتطوعية والتضامنية.

وأوضحت العموري، في تصريح لـ “إعلام تيفي“، أن المجتمع المدني بالمغرب لم يكن، في السابق، منخرطا بشكل فعلي ومنظم في تدبير الكوارث الطبيعية، غير أن زلزال الحوز شكل نقطة تحول فارقة، إذ أتاح للجمعيات اكتساب تجربة ميدانية مهمة، وتراكم خبرة عملية في كيفية التعامل مع الأزمات والتدخلات الاستباقية، إلى جانب السلطات العمومية، التي قالت إنها تسهل عمل الجمعيات من مختلف الجوانب، سواء عبر توفير المعطيات الإحصائية أو الأرقام الدقيقة، أو من خلال التنسيق المباشر في الميدان.

دور السلطات والجمعيات في تعزيز نجاعة التدخلات

وشددت المتحدثة على أن عملية التواصل بين جمعيات المجتمع المدني والسلطات العمومية تتم اليوم بمستوى عال من التنسيق، بالنظر لما تضطلع به الجمعيات من دور محوري في التواصل مع الساكنة والمتضررين، ولا سيما الفئات الهشة من مسنين وغيرهم، مبرزة أن توزيع الأدوار واضح، حيث تضطلع السلطات بالدور التنفيذي، بينما تركز الجمعيات على البعد الإنساني والتطوعي والتضامني، بما يعزز نجاعة التدخلات ويحد من الارتباك.

وفي هذا السياق، أكدت العموري أن التنسيق المسبق مع السلطات، خاصة في ما يتعلق بالتراخيص، يظل عاملا أساسيا لتجنب العشوائية والفوضى، وضمان تنظيم العمل الميداني في إطار قانوني واضح ومسؤول، بما يخدم المصلحة العامة ويحمي التدخلات الإنسانية من أي انزلاقات.

وأبرزت الفاعلة الجمعوية أن المغرب، ملكا وشعبا، أبان عن مستوى عال من التضامن وروح المواطنة خلال زلزال الحوز، وهو ما مكن من بناء تجربة مهمة في التعامل مع الكوارث الطبيعية، معتبرة أن ما شهدته فيضانات القصر الكبير من استباقية في تدخل السلطات يعكس تطور آليات التدبير والتعامل مع الأزمات. مضيفة أن التدخلات الجارية حاليا، تحت التوجيهات الملكية السامية، تستحق كل التنويه والتثمين، مشيدة بالحكمة والعقلانية التي طبعت تدخلات السلطات والجيش المغربي والمجتمع المدني.

وأشارت العموري إلى أن فيضانات القصر الكبير مرت دون تسجيل خسائر في الأرواح، ودون مظاهر للفوضى، حيث جرت الأمور وفق وتيرة منظمة تعكس صورة مشرفة للمغرب، مؤكدة أن المملكة، كما عهدها الجميع، قادرة على تجاوز الأزمات بسلام وتماسك.

وبخصوص آفاق الإصلاحات القانونية والتنظيمية الكفيلة بتمكين المجتمع المدني من لعب دور أكثر نجاعة في تدبير الكوارث الطبيعية، شددت المتحدثة على ضرورة تسهيل مساطر التراخيص، بما يراعي طبيعة العمل الجمعوي القائم على السرعة في التدخل والفعالية في الاستجابة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أهمية احترام القانون، باعتباره الضامن الأساسي لإغلاق الباب أمام تجار الأزمات وكل أشكال العشوائية.

وفي هذا الإطار، نبهت العموري إلى أن المرحلة الراهنة، في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تشهد بروز فاعلين يركبون على موجة الأزمات بدافع الاسترزاق أو البحث عن نسب المشاهدة والتفاعل، معتبرة أن صرامة القانون وتطبيقه بصرامة يشكلان ضرورة لضرب كل أشكال التطفل على الميدان، وحماية العمل الإنساني من الاستغلال.

وعبرت المتحدثة عن استيائها الشديد من ظاهرة “تجار الأزمات”، الذين يستغلون مثل هذه الظرفيات لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، في وقت يعبر فيه المغاربة، ملكا وشعبا، عن أعلى درجات التضامن والتآزر في مواجهة الكوارث.

تدريب الشباب وإرساء شبكات تدخل محلية

وأكدت لبنى العموري أن فيضانات القصر الكبير أعادت إلى الواجهة الحاجة الملحة إلى إحداث شبكات تدخل محلية دائمة، تكون مدربة ومهيكلة للتعامل مع الكوارث الطبيعية، إلى جانب إرساء خلايا للإنصات، وتكوين الشباب المتطوعين داخل الجمعيات، خاصة في مجالات الإسعافات الأولية، والتواصل مع المواطنين، وتقديم الدعم النفسي والمواكبة الاجتماعية.

وشددت في هذا الصدد على أن الدعم النفسي يشكل إحدى الإشكالات المطروحة بقوة خلال الكوارث، سواء من حيث كيفية التواصل مع المواطنين أو شرح المخاطر المحدقة بهم، والتي قد تهدد سلامتهم وأرواحهم، داعية إلى إيلاء هذا الجانب أهمية خاصة ضمن برامج التكوين والتأهيل.

وختمت العموري بالتأكيد على ضرورة الاستثمار في تدريب وتكوين الشباب في مجال تدبير الكوارث الطبيعية، خاصة في ظل التحولات المناخية والاضطرابات الجوية التي تعرفها المملكة، معتبرة أن بناء قدرات بشرية مؤهلة، قادرة على التدخل السريع والفعال، يشكل ركيزة أساسية لتعزيز صمود المجتمع وضمان مواكبة نفسية وإنسانية تليق بحجم التحديات المطروحة.

إنه دور يتأسس على وعي جماعي بأن الكارثة ليست شأنا تقنيا صرفا، بل امتحان أخلاقي ومجتمعي، تقاس فيه قدرة المجتمع على التماسك، وعلى تحويل التضامن من فعل عاطفي لحظي إلى ممارسة مدنية واعية، تشتغل في انسجام مع الدولة، وتستمد مشروعيتها من خدمة الصالح العام في أدق لحظاته وأكثرها حساسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى