إعفاء طبي بلا حماية قانونية.. معاناة صامتة داخل المدرسة العمومية

حسين العياشي
يعيش ملف الأساتذة المعفيين من مهام التدريس لأسباب صحية وضعًا ملتبسًا، في صمت إداري ثقيل، يعكس اختلالًا عميقًا في تدبير الموارد البشرية داخل المنظومة التعليمية. فبين تقارير طبية واضحة، وواقع إداري متقلب، تجد هذه الفئة نفسها عالقة في منطقة رمادية، بلا إطار قانوني منظم، وبلا حماية مهنية حقيقية، ما يجعل مصيرها رهينًا لاجتهادات متباينة قد تختلف من مديرية إلى أخرى، ومن مسؤول إلى آخر.
هذا الواقع المتأزم دفع مليود معصيد، الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم، إلى دق ناقوس الخطر عبر مراسلة وجهها إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محذرًا من تنامي القلق والاحتقان في صفوف الشغيلة التعليمية، خصوصًا الأساتذة الذين أُرغموا على مغادرة الأقسام الدراسية بفعل أوضاع صحية قاهرة، ليجدوا أنفسهم منقولين إلى مهام إدارية غير محددة المعالم ولا محكومة بنصوص تنظيمية واضحة.
المراسلة كشفت أن هؤلاء الأساتذة، رغم ما راكموه من تجربة مهنية طويلة، أصبحوا اليوم في وضعية هشة، لا لشيء سوى لأن الإدارة لم تحسم بعد في تحديد وضعهم القانوني والمهني. غياب التأطير، بحسب النقابة، لم يؤد فقط إلى ارتباك إداري، بل فتح الباب أمام ممارسات قد تُفرغ الإعفاء الطبي من مضمونه، حين يُطلب من المعنيين أداء مهام أو الالتزام بساعات عمل مرهقة، تتنافى كليًا مع وضعهم الصحي، ومع الغاية التي من أجلها أقرّت اللجان الطبية إعفاءهم من التدريس.
وفي قراءة نقدية لطريقة تدبير هذا الملف، شددت الجامعة الوطنية للتعليم على أن الحديث عن الحكامة الجيدة يظل مجرد شعار فارغ ما لم يُترجم إلى سياسات تراعي البعد الإنساني والصحي للأطر التعليمية. فالإدارة، وفق المراسلة، مطالبة بتكييف المهام المسندة للأساتذة المعفيين صحيًا مع قدراتهم الفعلية، لا التعامل معهم كيد عاملة احتياطية تُسند إليها أعباء إضافية تحت غطاء “المهام الإدارية”.
ودعت النقابة، في لهجة واضحة، إلى فتح حوار جدي ومسؤول يفضي إلى قرارات تنظيمية منصفة، تضع حدًا لحالة الضبابية، وتضمن لهذه الفئة الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة المهنية. كما أكدت ضرورة القطع مع كل أشكال الإلزام غير المشروع، سواء تعلق الأمر بمهام أو بساعات عمل تتعارض مع التقارير الطبية، معتبرة أن استمرار هذا الوضع لا يسيء فقط إلى الأساتذة المعنيين، بل يكشف خللًا أعمق في تصور الإدارة لمفهوم الإنصاف الاجتماعي داخل المدرسة العمومية.





