إلى أي حد يمكن أن تمتد ارتدادات الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران إلى المغرب؟ (حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر 

تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيدا عسكريا خطيرا مع اندلاع مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في حرب توصف بأنها محسوبة لكنها مفتوحة على احتمالات متعددة، هذا التصعيد لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل يمتد ليطال أسواق الطاقة العالمية، والممرات البحرية الاستراتيجية، وشبكة التحالفات الدولية التي أعادت تشكيل المنطقة خلال العقد الأخير. وفي عالم مترابط اقتصادياً وأمنياً، لم تعد المسافات الجغرافية كافية لعزل الدول عن ارتدادات النزاعات الكبرى.

في هذا السياق، يطرح سؤال جوهري حول موقع المغرب من هذه التطورات، خاصة في ظل شراكته الاستراتيجية مع واشنطن، وعلاقاته المتقدمة مع تل أبيب، وتحالفاته الراسخة مع عدد من دول الخليج.

فهل يشكل البعد الجغرافي درعا واقيا للمملكة؟ أم أن التأثيرات غير المباشرة، خصوصا الاقتصادية والسياسية، قد تفرض تحديات جديدة على الرباط؟

في الحوار التالي مع الدكتور محمد شقير الباحث والخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية، نحاول تفكيك أبعاد هذه المعادلة المعقدة واستشراف ما قد تعنيه الحرب للمغرب.

ما طبيعة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى؟ ولماذا تُعد مؤثرة إقليمياً؟

الحرب التي تشنها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران لا تُفهم فقط باعتبارها مواجهة عسكرية تقليدية، بل باعتبارها تحركا استراتيجيا يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، فهذه المواجهة تتجاوز حدود الضربات العسكرية إلى أبعاد أوسع تشمل أمن الطاقة، والتحالفات الدولية، وخريطة النفوذ الإقليمي.

المنطقة المعنية تمثل القلب النابض لإمدادات الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيها ينعكس فورا على أسعار النفط والغاز، وعلى حركة التجارة البحرية في المضائق الحيوية، كما أن هذه الحرب تعيد ترتيب التحالفات بين الدول الكبرى والإقليمية، وتجبر العديد من الدول على إعادة تقييم مواقفها السياسية والأمنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

 هل يشكل البعد الجغرافي للمغرب عامل أمان حقيقي في هذه الحرب؟

نعم، يعد البعد الجغرافي عاملا أساسيا في تقليل المخاطر المباشرة على المغرب، فالمملكة تقع في أقصى غرب البحر الأبيض المتوسط، بعيدا عن مسرح العمليات في الخليج والشرق الأوسط، هذا الموقع الجغرافي يضع المغرب خارج نطاق التهديدات الصاروخية أو العمليات العسكرية المباشرة التي قد تتبادلها أطراف النزاع.

إضافة إلى ذلك، عزز المغرب خلال السنوات الأخيرة قدراته الدفاعية عبر تحديث منظوماته العسكرية، فقد اقتنى نظام M142 HIMARS من الولايات المتحدة، وهو من أكثر أنظمة الراجمات الصاروخية دقة وحداثة، كما يمتلك منظومة Barak 8 المطورة بالتعاون مع إسرائيل، القادرة على التصدي للتهديدات الجوية والصاروخية.

هذه القدرات لا تعني أن المغرب طرف في الحرب، لكنها تمنحه هامشا دفاعيا مريحا يعزز مناعته في حال حدوث تطورات غير متوقعة.

هل يمكن أن تمتد الحرب إلى شمال إفريقيا عبر ما يُعرف بـ”حروب الظل” في منطقة الساحل؟

السيناريو المتداول في مثل هذه النزاعات هو احتمال لجوء بعض الأطراف إلى استخدام وكلاء إقليميين أو جماعات مسلحة غير نظامية للضغط غير المباشر على خصومها، غير أن احتمال تحريك جماعات متشددة في منطقة الساحل لاستهداف المغرب يبقى ضعيفا لعدة اعتبارات.

فأغلب التنظيمات الناشطة في الساحل تنتمي إلى التيار السلفي الجهادي، وبعضها مرتبط بتنظيمات مثل داعش أو تنظيم القاعدة، وهي تنظيمات لا تتقاطع أيديولوجيا مع الطروحات الإيرانية ذات المرجعية الشيعية.

مع ذلك، تبقى منطقة الساحل فضاء هشا أمنيا، وكثرة الفاعلين المسلحين فيها تجعل أي توتر إقليمي عاملا قد يزيد المشهد تعقيدا، حتى وإن لم يكن موجها بشكل مباشر ضد المغرب.

ماذا عن جبهة البوليساريو؟ هل يمكن أن تستغل الحرب لتغيير موازين النزاع؟

تُعد جبهة جبهة البوليساريو فاعلا إقليميا له حساباته الخاصة في سياق النزاع حول الصحراء، غير أن انخراطها في صراعات إقليمية كبرى سيكون محفوفا بالمخاطر السياسية.

فالجبهة تواجه ضغوطا داخل بعض دوائر الكونغرس في الولايات المتحدة، حيث تطرح بين الحين والآخر دعوات لتصنيفها ضمن لوائح التنظيمات الإرهابية، كما تواجه ضغوطا دولية متزايدة للقبول بمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب.

صحيح أن تقارير سابقة تحدثت عن محاولات تقارب غير مباشر عبر أطراف مرتبطة بطهران، بما في ذلك عناصر من حزب الله، لكن هذه المحاولات لم تتحول إلى تحالف استراتيجي دائم، نظرا لحساسية موقع الجبهة وحساباتها الدولية الدقيقة.

 ما هو التأثير الأرجح لهذه الحرب على المغرب: أمني أم اقتصادي؟

الراجح أن التأثير الاقتصادي سيكون أكثر وضوحا من التأثير الأمني، فالمغرب بلد مستورد للطاقة، وأي ارتفاع حاد في أسعار النفط أو اضطراب في سلاسل الإمداد سينعكس مباشرة على ميزانيته، وعلى تكلفة النقل والإنتاج، وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.

كما أن استمرار التوتر قد يضعف ثقة المستثمرين، خاصة إذا طالت مدة النزاع أو اتسعت رقعته لتشمل مضائق استراتيجية مؤثرة على التجارة العالمية، في هذه الحالة، قد تواجه الحكومة ضغوطا إضافية للحفاظ على التوازنات المالية والاجتماعية.

كيف يمكن للمغرب أن يدير موقعه السياسي في ظل هذا التصعيد؟

سياسيا، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة، فهو يرتبط بشراكة استراتيجية قوية مع الولايات المتحدة، ويملك علاقات متقدمة مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقية أبراهام، كما يحافظ على علاقات وثيقة مع عدد من دول الخليج.

في مثل هذا السياق، تميل الدبلوماسية المغربية تقليديا إلى تبني نهج براغماتي يقوم على دعم الاستقرار وتجنب الانخراط في الاستقطاب الحاد، الهدف هو الحفاظ على التحالفات الاستراتيجية دون الانجرار إلى مواقف تصعيدية قد تؤثر على التوازن الداخلي أو الإقليمي.

 في الخلاصة هل المغرب في مأمن تام من تداعيات الحرب؟

المغرب ليس في دائرة الخطر العسكري المباشر، بفضل موقعه الجغرافي وتحديث قدراته الدفاعية. غير أن عالم اليوم مترابط بشكل يجعل أي حرب كبرى ذات ارتدادات اقتصادية وسياسية عابرة للحدود.

لذلك، الرهان المغربي يبدو قائما على ثلاث ركائز: الجغرافيا كدرع طبيعي، وتحديث المنظومة الدفاعية كضمانة ردعية، والدبلوماسية المتوازنة كأداة لعبور الأزمات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى